لطالما ارتبط اسم داريا بالزراعة، فالأراضي التي تحيط بالمدينة كانت لسنوات طويلة مصدر رزق لكثير من أهلها، كما شكلت سلة غذاء لدمشق ومحيطها.
لكن واقع الزراعة اليوم لم يعد كما كان في السابق، إذ يواجه المزارعون تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع مياه الري، إلى جانب غياب الدعم الذي يساعدهم على الاستمرار في العمل.
مهنة قديمة.. وأعباء متزايدة
في أحد الحقول الزراعية في داريا، التقت عنب بلدي بالمزارع محمد ديب الحصان، الذي تحدث عن واقع المهنة التي ورثها كثير من أبناء المدينة عن آبائهم وأجدادهم.
يقول المزارع، وهو حاج في الستينات من عمره، إن الفلاحين يحتاجون إلى دعم يساعدهم على الاستمرار في العمل، موضحًا أن معظم الأعباء المرتبطة بالزراعة تقع اليوم على عاتق المزارعين أنفسهم.
ويضيف أن الفلاحين يعتمدون على إمكاناتهم الخاصة لتأمين مستلزمات العمل الزراعي، من بذار وأسمدة ووسائل ري، في وقت ترتفع فيه تكاليف الإنتاج بشكل متواصل، ما يزيد من صعوبة الاستمرار في الزراعة.
مياه كانت وفيرة
لم تكن مشكلة التكاليف وحدها ما تغير في واقع الزراعة، فالمياه التي كانت تشكل شريان الحياة للأراضي الزراعية في داريا لم تعد كما كانت في الماضي.
يستعيد الحصان ذكريات السنوات السابقة، حين كانت الأنهر التي تمر في المنطقة مليئة بالمياه حتى في ذروة الصيف.
ويقول إن تلك الأنهر كانت تستخدم للشرب والري في الوقت نفسه، لكن الواقع تغير مع مرور الوقت، خصوصًا مع توسع البناء وتحويل بعض مجاري الصرف الصحي إلى مجاري المياه، ما أدى إلى تلوثها وتراجع استخدامها.
يوم يبدأ مع شروق الشمس
بالنسبة للمزارعين، يبقى العمل في الأرض جزءًا من الحياة اليومية.
المزارع حسن الحصان، يعمل في أرض مجاورة، يوضح أن عائلته تعمل في الزراعة منذ أجيال، وأنه ورث المهنة عن والده وجده كما فعل كثير من أبناء داريا.
يبدأ حسن يوم عمله منذ ساعات الصباح الأولى، حين يتوجه المزارعون إلى أراضيهم لمتابعة المحاصيل والقيام بالأعمال الزراعية المختلفة.
ويقول إن المحاصيل المزروعة حاليًا تشمل الملفوف والبقدونس والزهرة، وهي محاصيل تحتاج إلى متابعة مستمرة من حيث السقاية والتعشيب والعناية بالنباتات.
تكاليف مرتفعة وعائد محدود
لكن العمل في الأرض لم يعد يضمن بالضرورة عائدًا يكفي لتغطية التكاليف، إذ يشير حسن الحصان إلى أن زراعة بعض المحاصيل، مثل الزهرة، تحتاج إلى نفقات مرتفعة، في حين تباع بأسعار منخفضة في السوق.
ويضيف أن تكلفة زراعة الدونم الواحد قد تصل إلى نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية، بينما تباع المحاصيل أحيانًا بأسعار لا تغطي هذه التكاليف.
كما يلفت إلى وجود فارق كبير بين السعر الذي يبيع به المزارع محصوله والسعر الذي يصل به المنتج إلى المستهلك في الأسواق.
نهر الأعوج.. مصدر ري يتراجع
إلى جانب التكاليف المرتفعة، يواجه المزارعون مشكلة أخرى تتعلق بمياه الري.
ويعتمد كثير من المزارعين في داريا على نهر الأعوج لري أراضيهم، إلا أن كميات المياه المتدفقة فيه تراجعت خلال الفترة الأخيرة.
يقول المزارع حسن إن المياه هذا العام قليلة، وإن المزارعين يعانون من هذه المشكلة دون حلول واضحة حتى الآن.
كما يشير إلى أن بعض نقاط توزيع المياه المرتبطة بالنهر تعرضت للاعتداء، ما يؤثر في وصول المياه إلى الأراضي الزراعية ويزيد من صعوبة الري.
الزراعة رغم الصعوبات
ورغم التحديات المرتبطة بارتفاع التكاليف وتراجع المياه وصعوبات التسويق، ما يزال كثير من المزارعين في داريا متمسكين بالعمل في أراضيهم.
فبالنسبة لهم، الزراعة ليست مجرد مهنة، بل جزء من تاريخ العائلة والمدينة.
ومع أن الظروف الحالية تجعل الاستمرار في الزراعة أكثر صعوبة، فإن المزارعين يواصلون العمل في الحقول، على أمل أن تتحسن ظروف الإنتاج وتتوافر حلول تساعدهم على الحفاظ على ما تبقى من الزراعة في داريا.