من العمل إلى المحاضرة.. طلاب من داريا يواصلون دراستهم عن بعد

مبنى الجامعة الافتراضية السورية في دمشق (سانا)

لم تكن كندة سعدية قادرة على الالتزام بدوام جامعي يومي إلى جانب عملها معلمة في مدارس داريا، لذلك اختارت الدراسة في الجامعة الافتراضية السورية.

وتدرس سعدية لنيل إجازة في الإدارة السياحية والفندقية، وتستفيد من إمكانية متابعة المحاضرات عن بعد والعودة إلى الجلسات المسجلة لتوزيع وقتها بين المدرسة والدراسة.

ويتكرر الجمع بين العمل والتعليم لدى طلاب آخرين من داريا تحدثوا إلى عنب بلدي، فمنهم من يستخدم الوقت الذي يتيحه نظام الدراسة للعمل وتأمين جزء من تكاليف تعليمه، بينما تسبب ضغط العمل لدى آخرين في تقليل الوقت المخصص للمقررات أو تأخير التخرج.

وتأتي تجارب الطلاب في وقت توسعت فيه أعداد الملتحقين بالجامعة الافتراضية السورية.

ففي مفاضلة خريف 2025، التي صدرت نتائجها في آذار 2026، أعلنت الجامعة قبول أكثر من 26 ألف طالب وطالبة، قالت إنهم يشكلون 78% من المتقدمين الذين استكملوا أوراقهم، في أكبر عملية استيعاب منذ تأسيسها. ومن المقبولين 2200 في برنامج الهندسة المعلوماتية، و1220 في الإعلام والاتصال، وألف في الإدارة السياحية والفندقية.

والجامعة الافتراضية السورية جامعة حكومية تأسست عام 2002، وتعتمد التعليم الإلكتروني في برامجها، وتقول إن من أهدافها تطوير تقنيات التعلم الإلكتروني واستخدامها في التعليم الأكاديمي والمهني.

الدراسة في الوقت المتاح

لم تختر كندة التعليم عن بعد لأنها ترى الدراسة فيه أسهل، بل لأنها لم تكن تستطيع الجمع بين عملها والدوام اليومي في جامعة تقليدية.

وتقول لعنب بلدي إن إمكانية متابعة المحاضرات المسجلة وعدم إلزامية الحضور ساعداها على الدراسة في الأوقات التي لا تعمل فيها، لكنها تحتاج في المقابل إلى تنظيم وقتها وترتيب أولوياتها عندما تتزامن المقررات مع التزاماتها المهنية واليومية.

وتجد شام دقو، وهي طالبة في السنة الثانية من برنامج الإعلام والاتصال، أن حرية اختيار أوقات الدراسة والحضور الاختياري من أكثر ما يناسبها في النظام، إذ تستطيع متابعة مقرراتها في أوقات لا تتعارض مع التزاماتها الأخرى.

وتعتمد الجامعة على جلسات تعليمية عبر الإنترنت، وأطلقت في 2026 تطبيقًا رسميًا لحضور الجلسات التزامنية، أي المحاضرات المباشرة، إلى جانب إمكانية الوصول إلى الجلسات المسجلة.

لكن عدم وجود دوام جامعي يومي لا يلغي الحاجة إلى تخصيص وقت للمقررات، وبحسب الطالبتان شام وكندة، تنتقل مسؤولية تحديد هذا الوقت إلى الطالب نفسه، بدل أن يفرض عليه جدول حضور يومي في مقر الجامعة.

العمل يدفع تكاليف الدراسة

يعمل عبد الوهاب مشمشتين مدرسًا في مدارس داريا بالتوازي مع دراسته في السنة الرابعة في برنامج الهندسة المعلوماتية بالجامعة الافتراضية السورية.

ويقول لعنب بلدي إن نظام الدراسة أتاح له وقتًا للعمل، وإن دخله يساعده في دفع الرسوم المرتبطة بدراسته وتكاليف المواصلات.

ولا تلغي الدراسة الإلكترونية التنقل بصورة كاملة، إذ تقدم الامتحانات في مراكز نفاذ تابعة للجامعة أو معتمدة لديها داخل سوريا وخارجها، وليس من منزل الطالب.

وللجامعة مراكز نفاذ في دمشق وريفها ومحافظات سورية أخرى، إضافة إلى مراكز خارج البلاد، بينما يتحدد المركز الذي يقدم فيه الطالب امتحانه وفق ترتيبات الجامعة، ولذلك لا يمكن تحديد المركز الذي يقصده طلاب داريا من مكان إقامتهم وحده.

وتبقى تكلفة الانتقال إلى الامتحانات جزءًا من نفقات مشمشتين، إلى جانب الرسوم التي يدفعها للجامعة.

وفي 2026، وسعت الجامعة جانبًا من الإجراءات التي يستطيع الطلاب إنجازها إلكترونيًا.

ففي آذار من العام نفسه، أعلنت بدء التسجيل الذاتي الإلكتروني على مقررات عدد من البرامج للطلاب القدامى من دون مراجعة مقر الجامعة أو مراكز النفاذ، كما أتاحت دفع الرسوم عبر عدة قنوات.

وطبقت الآلية أيضًا على برامج أخرى، بينها الإعلام، في تسجيل فصل خريف 2025 خلال أيار.

لكن العمل الذي يساعد مشمشتين على تأمين هذه النفقات يقلل في الوقت نفسه الساعات المتاحة للدراسة.

ويقول إن الجمع بين الاثنين يصبح أكثر قابلية للتنظيم عندما يكون العمل محدود الساعات أو جزئيًا، بينما يزداد الضغط مع الدوام الكامل.

العمل يؤخر التخرج

لم تتمكن رغدة القوي، وهي طالبة في مرحلة التخرج ببرنامج الإعلام والاتصال، من الحفاظ دائمًا على الوقت الذي تحتاجه مقرراتها.

وتقول لعنب بلدي إن انشغالها اليومي بالعمل جعل تخصيص وقت للدراسة أكثر صعوبة، وتسبب في تأخرها في التخرج.

لكنها لم تضطر إلى ترك الجامعة، إذ واصلت تسجيل مقرراتها ودراستها وفق الوقت المتاح، حتى مع استغراق الوصول إلى مرحلة التخرج مدة أطول مما كانت تخطط له.

ولا تكفي تجربة رغدة للقول إن العمل يؤخر تخرج طلاب الجامعة الافتراضية عمومًا، إذ لم تجد عنب بلدي بيانات منشورة حديثة تحدد نسبة الطلاب العاملين في الجامعة أو تقارن مدة تخرجهم بغير العاملين.

لكن حجم الإقبال على الجامعة ازداد بصورة واضحة في أحدث المفاضلات المعلنة.

ففي مفاضلة خريف 2025 وحدها قبلت الجامعة أكثر من 26 ألف طالب جديد في المعاهد والإجازات الجامعية والدراسات العليا، بينهم أكثر من 11 ألفًا في برامج الإجازات الجامعية ودبلوم التأهيل التربوي.

واستمرت الجامعة في فتح القبول بعد ذلك، إذ أعلنت في 24 من حزيران بدء مفاضلة ربيع 2026 لجميع برامج الإجازات الجامعية والمعاهد التقانية والماجستير ودبلوم التأهيل التربوي.

المرونة لا تعني دراسة أسهل

استطاعت مرح عثمان إنهاء دراسة الإعلام في الجامعة الافتراضية السورية بالتوازي مع عملها، لكنها لم تحافظ على الوتيرة نفسها طوال سنوات الدراسة.

وتقول مرح لعنب بلدي إنها مرت بفترات من الضغط والسهر وتراجع الحافز نتيجة ضيق الوقت وتزاحم المسؤوليات، وكانت تحاول العودة إلى الدراسة كلما تراجعت قدرتها على المتابعة.

وتمكنت في النهاية من إنهاء متطلبات التخرج بعلامات جيدة، لكن تجربتها تختلف عن رغدى التي تأخر تخرجها، وعن الطلاب الثلاثة الآخرين الذين ما يزالون يتابعون دراستهم.

ولا يعني وصف الجامعة بـ”الافتراضية” أن كل مراحل حياة الطالب الجامعية تتم من المنزل.

فإلى جانب المحاضرات الإلكترونية، ترتبط الدراسة بالتسجيل على المقررات وتسديد الرسوم والتقدم للامتحانات في المراكز المخصصة لها.

كما لا تقتصر البرامج التي تستقطب الطلاب على الاختصاصات التقنية، فبحسب الأرقام التي أعلنتها الجامعة لمفاضلة العام الدراسي الماضي (2025)، توزع المقبولون في برامج الإجازة بين الهندسة المعلوماتية وتقانة المعلومات والاتصالات وعلوم الإدارة والموارد البشرية والإعلام والاتصال والحقوق والإدارة السياحية والفندقية، إلى جانب برامج المعاهد والماجستير.

بالنسبة إلى كندة وعبد الوهاب، يعني ذلك العودة إلى الدراسة بعد انتهاء العمل في المدرسة، بينما تستخدم شام حرية اختيار وقت متابعة مقرراتها، ووصلت رغدة إلى مرحلة التخرج بعد تأخرها، في حين أنهت مرح تجربتها الجامعية بعد فترات من الضغط والسهر.

مقالات ذات صلة

إعادة افتتاح الثانوية المهنية النسوية في داريا.. مئات الطالبات ونقص في الكوادر

مدارس خاصة ودروس خصوصية.. أعباء تعليمية ومالية على الأسر في داريا

أسماء جديدة لمدارس داريا.. تحفظات على حذف أسماء راسخة في ذاكرة الأهالي