يواجه عمال اليومية في مدينة داريا، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع فرص العمل، صعوبة متزايدة في تأمين مائدة الإفطار خلال شهر رمضان في ظل دخل غير ثابت.
فبين يومية قد لا تتجاوز في كثير من الأيام 50 ألف ليرة سورية، وتكاليف إفطار قد تصل إلى نحو 200 ألف ليرة لعائلة واحدة، تتسع الفجوة بين ما يجنيه العمال وما تحتاجه المائدة الرمضانية، ما يجعل الشهر أكثر ثقلًا على كثير من العائلات التي تعتمد على العمل اليومي.
وبمعنى آخر، قد لا تكفي يومية العامل لتغطية تكلفة إفطار يوم واحد لعائلته.
عنب بلدي، رصدت الأحد، 8 آذار 2026، واقع بعض عمال اليومية في داريا، وقارنت بين دخولهم المتقطعة وتكاليف الطعام في الأسواق المحلية، في محاولة لفهم كيف تتدبر هذه العائلات إفطارها في ظل الظروف المعيشية الحالية.
يومية غير مضمونة وانتظار على الطريق
يجلس أبو عمر، وهو في الأربعينات من عمره، خلف مقود سيارة نقل (هونداية)، منتظرًا طلبًا قد يأتي أو لا يأتي.
يعمل في نقل الطلبات بسيارته الخاصة، ويقول إن عائلته المؤلفة من زوجته وابنتيه الصغيرتين تعتمد بالكامل على ما يجنيه من هذا العمل.
تتراوح يوميته عادة بين 50 و100 ألف ليرة سورية، لكنها غير مضمونة، إذ قد تمر أيام دون أي عمل.
خلال اليومين اللذين سبقا الحديث معه، لم يتلق أبو عمر أي طلب، وهو أمر يتكرر مع ضعف الحركة في السوق.
يقول لعنب بلدي، “إذا ما اشتغلت ما مناكل، بس منبدبر راسنا من الشغلات الموجودة بالبيت”.
تقيم والدته معه في المنزل، وتعتمد العائلة في هذه الأيام على أطعمة بسيطة مثل البطاطا والتسقية والفتوش.
وفي اليوم الذي التقت به عنب بلدي، لم تتجاوز أرباحه 30 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا يكفي، كما يقول، لشراء كيلوين من البندورة في السوق.
بين الديون ومتطلبات المعيشة
لا يملك أبو عمر مصدر دخل آخر غير سيارته، ما يضطره أحيانًا إلى الاستدانة لتغطية نفقات المنزل، خاصة مع زيادة الاستهلاك خلال شهر رمضان.
كان يأمل أن يتمكن من تسديد بعض ديونه خلال هذا الشهر، لكن ضعف الحركة حال دون ذلك.
ويقتصر ما يشتريه في معظم الأيام على الخضار، بعد أن أصبح شراء الدجاج أو اللحوم خارج قدرته.
وحتى في الأيام التي يحصل فيها على طلبين أو ثلاثة، لا يكفي الدخل لتغطية متطلبات المعيشة الأساسية.
“اللي بدي ياه بهالمرحلة بس أقدر أمّن الأكل والشرب للبيت”، يقول أبو عمر.
خجل الأب وهم العيد
مع اقتراب عيد الفطر، تزداد الضغوط على أبو عمر. لم يعد قادرًا على شراء الحلويات أو الملابس للأطفال كما كان يفعل في السنوات السابقة، وهو ما يترك لديه شعورًا بالحرج عندما يعود إلى المنزل بالمبلغ القليل الذي كسبه خلال يوم كامل من الانتظار.
يحاول تقليل المصاريف قدر الإمكان، خصوصًا ما يتعلق بالطعام، لكنه يسعى رغم ذلك إلى تأمين ملابس العيد لابنتيه الصغيرتين، اللتين تبلغان عامين وثلاثة أعوام.
“نحن الكبار ممكن نتحمل موضوع الأكل، أما الصغار ما إلهم ذنب ما يعيدوا بتياب جديدة، هني لسا أطفال”، يقول أبو عمر، موضحًا أنه فكر في البحث عن عمل إضافي إلى جانب عمله الحالي، لكن “هي حال البلد.. ما في شغل، يعني شو بدي اشتغل؟”.
حركة ضعيفة وطلبات قليلة
يصف أبو عمر حركة العمل بأنها “داقرة”، موضحًا أنه يقف بسيارته منذ الساعة الثامنة صباحًا، ولم يحصل حتى وقت الحديث معه إلا على طلب واحد فقط.
وفي اليوم السابق عاد إلى منزله من دون أن يعمل نهائيًا.
وبحسب تقديره، فإن حصوله على ثلاثة طلبات في اليوم قد يتيح له كسب نحو 150 ألف ليرة سورية، إلا أن هذا العدد من الطلبات نادر، إذ غالبًا ما يحصل على طلبين فقط في اليوم أو أقل.
في المقابل، استطلعت عنب بلدي آراء بعض السكان حول تكلفة وجبة الإفطار اليومية في المدينة.
يقول أبو هيثم، الذي يعيل خمسة أشخاص ويعمل في بيع الحليب، إن تكلفة الإفطار اليومية لا تقل عن 200 إلى 250 ألف ليرة سورية، بحسب نوع الطبخة، وقد ترتفع أكثر إذا تضمنت الدجاج أو اللحم.
أما أبو نهاد، وهو موظف متقاعد يعيش مع زوجته، فيقدر تكلفة الإفطار اليومية بما بين 100 و150 ألف ليرة سورية في حال إضافة الدجاج أو اللحم إلى المائدة، مشيرًا إلى أنه لا يملك مصدر دخل إضافيًا.
أسعار الأسواق تثقل المائدة
تعكس جولة أجرتها عنب بلدي في أسواق داريا حجم الضغط الذي تفرضه الأسعار على موائد الأسر.
فقد تراوح سعر كيلو اللحم بين 200 و220 ألف ليرة سورية، بينما بلغ سعر شرحات الدجاج نحو 64 ألف ليرة للكيلوا، والوردة نحو 54 ألف ليرة، في حين سجلت الجوانح نحو 24 ألف ليرة.
أما الخضار الأساسية، فقد بلغ سعر كيلو البطاطا نحو 6500 ليرة، والبندورة بين 15 و16 ألف ليرة، فيما وصل سعر الباذنجان إلى نحو 15 ألف ليرة للكيلوغرام.
وسجل الأرز المصري نحو 9 آلاف ليرة للكيلو، مقابل نحو 12 ألف ليرة لأرز الكبسة، بينما تراوح سعر لتر الزيت النباتي بين 20 و23 ألف ليرة.
وبحسب هذه الأسعار، قد تصل تكلفة إعداد طبق كبسة لخمس أشخاص إلى نحو 200 ألف ليرة سورية، بينما تبلغ تكلفة إعداد طبق مقالي بسيط مع صحن فتوش أو سلطة نحو 150 ألف ليرة.
يومية أقل من تكلفة الإفطار
تكشف المقارنة بين الدخل وتكاليف الطعام عن فجوة واضحة في القدرة على تأمين مائدة الإفطار.
فبينما قد لا تتجاوز يومية بعض العمال في أفضل الأحوال 100 ألف ليرة سورية، تحتاج وجبة إفطار متوسطة لعائلة من خمسة أشخاص إلى ما بين 150 و200 ألف ليرة يوميًا، بحسب نوع الطبخة والمكونات المستخدمة.
وفي الأيام التي لا يجد فيها العامل فرصة عمل، تصبح حتى الوجبات البسيطة عبئًا يصعب تأمينه، ما يدفع كثيرًا من العائلات إلى تقليص أصناف الطعام أو الاعتماد على الأطباق الأرخص تكلفة.
وبين انتظار طلب قد لا يأتي، ومحاولة تدبير احتياجات المنزل الأساسية، يعيش كثير من عمال اليومية في داريا تفاصيل يومية من القلق والتدبير، في محاولة للحفاظ على أبسط متطلبات الحياة، ولعل أبرزها أن تبقى مائدة الإفطار حاضرة، ولو بأبسط ما فيها.