لا تزال الأبنية المدمرة والمتصدعة تطغى على المشهد العام في مدينة داريا، رغم عودة تدريجية للسكان منذ مطلع عام 2025، وتزايد الحركة التجارية في شوارعها وأحيائها الرئيسية.
وبين محاولات ترميم محدودة وإعادة فتح محال ومنازل، يبرز ملف الأبنية الآيلة للسقوط كأحد أخطر التحديات التي تواجه المدينة، في ظل غياب إحصاءات دقيقة وخطة إنشائية شاملة لمعالجة مكامن الخطر.
وتشير تقديرات محلية إلى أن نحو 80% من مباني داريا السكنية تعرضت لدمار كلي أو جزئي خلال سنوات الحرب، وهو ما ينسجم مع تقديرات دولية تفيد بأن نسبة كبيرة من المخزون السكني السوري تضررت أو دمرت.
ومع تضاعف عدد السكان خلال السنة الأخيرة ليقارب 200 ألف نسمة، ازداد الضغط على بنية تحتية لم تخضع لإعادة تأهيل شاملة، ما يجعل أي خلل إنشائي مصدر تهديد مباشر للسكان.
استجابة إسعافية عند البلاغ
المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني، محمد قطان، قال لعنب بلدي، إن فرق البحث والإنقاذ تنسق مع السلطات المحلية في داريا بشأن الأبنية المتصدعة، من خلال تنظيم عمليات الإخلاء، وتقييد الحركة قرب المواقع الخطرة، ومنع دخول المباني المهددة بالانهيار.
وأوضح قطان أن الفرق تجري كشفًا ميدانيًا فور ورود أي بلاغ عن بناء متصدع لتحديد مستوى الخطورة، وفي حال وجود خطر انهيار، يطلب من السكان الإخلاء، وتبلغ الأبنية المجاورة، ويحدد نطاق الخطر بواسطة أشرطة تحذيرية، إضافة إلى تأمين الاحتياجات الأساسية للعائلات التي يطلب منها مغادرة منازلها.
وأشار إلى أن الأمطار الغزيرة أو أي هزات أرضية محتملة قد تسرع انهيار الأبنية المتضررة، خاصة تلك التي تعرضت لتصدعات في الأعمدة الحاملة أو القواعد الإنشائية.
ورغم هذه الإجراءات، تبقى الاستجابة قائمة على البلاغات الفردية، دون وجود مسح هندسي شامل أو قاعدة بيانات منشورة تحدد مواقع الأبنية الخطرة ومستوى خطورتها.
غياب الإحصاءات.. وسكان يتمسكون بالبقاء
من جهته، قال رئيس مجلس داريا (السابق)، أحمد جعنينة، إن المدينة تفتقر إلى إحصاءات دقيقة بعدد الأبنية المنهارة كليًا أو الآيلة للسقوط، موضحًا أن قسمًا من هذه الأبنية لا يزال مأهولًا بالسكان.
وأشار إلى تسجيل حالة في شارع الثورة، طُلب فيها من سكان أحد الأبنية الإخلاء بسبب خطورة وضعه الإنشائي، إلا أنهم رفضوا مغادرته وبقوا داخله، بسبب عدم توفر سكن بديل أو القدرة المالية على الانتقال.
وأكد جعنينة أن البلدية تتابع البلاغات الواردة من الأهالي أو الجيران، وتخاطب الجهات المختصة عند التأكد من خطورة البناء، لكنها لا تملك خطة شاملة أو موارد كافية لمعالجة الملف جذريًا، في ظل غياب دعم رسمي أو برامج تمويل لأعمال التدعيم والترميم.
هذا الواقع يعكس فجوة بين تقديرات حجم الدمار وبين واقع السكن الفعلي، إذ يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام خيارين صعبين، الإخلاء دون بديل، أو البقاء في مبانٍ قد تشكل خطرًا على حياتهم.
العمل داخل مبانٍ متصدعة
الخطر لا يقتصر على المساكن، بل يمتد إلى المحال التجارية التي عادت للعمل تدريجيًا.
يحيى الحصان، وهو صاحب محل تجاري قرب ساحة شريدي، قال لعنب بلدي، إنه يعمل داخل بناء متضرر نتيجة القصف، يحتوي على أعمدة متصدعة وأجزاء إنشائية غير مكتملة.
وأوضح أن المحال غير مرخصة، ولم تجرِ البلدية كشفًا ميدانيًا على البناء، فيما يتحمل أصحاب المحال تكاليف الإصلاح على نفقتهم الخاصة، من دون تعويضات أو متابعة رسمية.
ويضع هذا الواقع أصحاب الأعمال أمام معادلة معقدة بين تأمين مصدر رزقهم وبين العمل في بيئة قد تكون غير آمنة إنشائيًا.
من جهته، قال المهندس المدني محمد معتز شخاشيرو، لعنب بلدي، إن الأبنية في داريا متنوعة من حيث مواد البناء، بين أبنية قديمة من الطين واللبن، وأخرى من البلوك الإسمنتي، إضافة إلى أبنية حديثة من البيتون المسلح بعدة طوابق مع أقبية ومحال تجارية.
وأشار شخاشيرو إلى أن الضرر الناجم عن القصف أدى إلى أضرار تختلف خطورتها من مبنى إلى آخر.
وأضاف أن بعض الأبنية يمكن إصلاحها بعد تدعيم محدود، بينما تتطلب أخرى تقييمًا هندسيًا وأعمال تدعيم متخصصة، في حين توجد أبنية لا تصلح للسكن إطلاقًا بسبب تضرر الأعمدة والأساسات، ويعد هدمها وإعادة بنائها الخيار الأكثر أمانًا.
ولفت إلى أن عددًا من الأهالي عادوا إلى منازل متضررة رغم غياب شروط السلامة الإنشائية، تفاديًا لتكاليف الإيجار، مقترحًا تشكيل لجان بلدية مختصة للكشف على الأبنية المتضررة ومنع السكن فيها قبل التأكد من سلامتها، إضافة إلى إيجاد آلية دعم لأعمال الترميم، للحد من المخاطر المحتملة.
بناء تعرض لأضرار شديدة في أعمدته الأساسية بالقرب من ساحة شريدي 2 شباط 2026 (عنب بلدي)
بناء مدمر بالقرب من شارع الخولاني 12 شباط 2026 (عنب بلدي)
بناء مدمر بالقرب من ساحة شريدي 2 شباط 2026 (عنب بلدي)
الأمطار تكشف الهشاشة
مطلع العام الجاري (2026)، كشفت الهطولات المطرية التي رافقت أحد المنخفضات الجوية هشاشة عدد من الأبنية المتضررة في المدينة.
ففي 1 كانون الثاني الماضي، شهد شارع الثورة انهيارًا جزئيًا في مدخل أحد الأبنية السكنية نتيجة تشبع التربة بالمياه، ما أدى إلى سقوط أنقاض على سيارة متوقفة، متسببًا بأضرار مادية دون إصابات بشرية.
وواصلت فرق الدفاع المدني، لليوم الثاني على التوالي، تنفيذ تدخلات طارئة شملت ضخ المياه من قبو مسجد عمر بن الخطاب، وتأمين نفق مائي كان يتسبب بتسرب المياه إلى أقبية سكنية مجاورة، إضافة إلى إزالة جزء من بناء آيل للسقوط في نهاية شارع الثورة.
وسلطت هذه الحوادث الضوء على واقع خدمي صعب، إذ تعاني شبكات تصريف مياه الأمطار من ضعف القدرة الاستيعابية، ما يحول كل منخفض جوي إلى مصدر قلق حقيقي، خاصة في الأحياء التي تضم أبنية متصدعة.
إزالة الأنقاض.. خطوة ضرورية لكن غير كافية
في تشرين الثاني 2025، أطلق الدفاع المدني مشروعًا لإزالة الأنقاض في مدينتي داريا ودوما، يستهدف رفع ما لا يقل عن 85,500 متر مكعب من الأنقاض، منها 39,000 متر مكعب في داريا، مع تشكيل وحدة لإعادة تدوير جزء من الركام لاستخدامه في إعادة الإعمار.
ورغم أهمية المشروع في فتح الطرقات وتسهيل الوصول إلى المنازل، فإن إزالة الأنقاض لا تعني بالضرورة معالجة السلامة الإنشائية للأبنية القائمة، إذ يبقى كثير من المباني المتضررة قائمًا بهياكل ضعيفة تحتاج إلى تقييم وتدعيم أو هدم منظم.
كما تواجه عمليات الإزالة تحديات، من بينها وجود ذخائر غير منفجرة، وبُعد مواقع الترحيل، وسوء حالة الطرق، ما يؤثر على وتيرة العمل.
تشديد الرقابة على المخالفات
في نهاية كانون الأول 2025، أصدر المكتب التنفيذي لمجلس مدينة داريا القرار رقم 13، القاضي بتشديد الرقابة على الأبنية المخالفة، ولا سيما التوسع الشاقولي فوق الأبنية القديمة، وإحالة المخالفين إلى النيابة العامة.
وجاء القرار عقب حوادث انهيار شهدتها مناطق عدة، بينها حادثة إنقاذ امرأة من تحت أنقاض مبنى سكني انهار في داريا في 26 كانون الأول 2025، ما أعاد تسليط الضوء على مخاطر الأبنية القديمة أو المتضررة التي أُجريت عليها تعديلات غير نظامية.
ويربط المجلس بين ضبط المخالفات الإنشائية والحفاظ على السلامة العامة، في محاولة للحد من المخاطر ومنع تكرار حوادث الانهيار.
بين الاستجابة الطارئة والحلول الجذرية
تعكس مجمل هذه المعطيات أن مدينة داريا، رغم التعافي التدريجي الذي تشهده، لا تزال تعيش فوق بنية عمرانية منهكة، والتدخلات الحالية، من استجابة الدفاع المدني، إلى مشاريع إزالة الأنقاض، وتشديد الرقابة على المخالفات، تمثل خطوات مهمة، لكنها تبقى ذات طابع إسعافي أو جزئي.
وفي ظل غياب مسح هندسي شامل وقاعدة بيانات علنية بالأبنية الخطرة، تبقى المخاطر قائمة، ويظل بعض السكان يعملون ويعيشون داخل مبانٍ متصدعة، بانتظار حلول أكثر شمولًا توازن بين حقهم في السكن والعمل، وحقهم في بيئة آمنة.
ومع كل منخفض جوي جديد، أو حادثة انهيار، يتجدد السؤال حول مدى قدرة المدينة على الانتقال من إدارة الخطر إلى معالجته جذريًا، عبر خطة إنشائية واضحة، تمويل مستدام، ورقابة فنية صارمة تحمي حياة الأهالي في مرحلة ما بعد الحرب.