أثار استطلاع الرأي الذي نشرته عنب بلدي عبر صفحتها في “فيسبوك” حول انتشار الدراجات النارية في مدينة داريا نقاشًا واسعًا، عكس تباينًا واضحًا في مواقف الأهالي بين من يرى في الدراجات مصدر إزعاج وخطر، ومن يعتبرها وسيلة نقل ضرورية في ظل الظروف الاقتصادية، وبين من يطالب بتنظيمها بدل منعها.
طرح الاستطلاع ثلاثة خيارات: مصادرة الدراجات غير النظامية بشكل كامل، أو تنظيمها عبر رخص قيادة ولوحات رسمية وتحديد عمر قانوني، أو اعتبارها لا تسبب أزمة حقيقية.
وبحسب التعليقات على الاستطلاع، مال معظم المشاركين إلى خيار تنظيم الدراجات النارية، فيما جاء خيار المصادرة في المرتبة الأخيرة.
التنظيم قبل المنع
في الاتجاه الأوسع، لم يطالب المشاركون بإلغاء الدراجات، بل بضبطها.
Dalal Mughrabi لخصت هذا الموقف بوضوح عندما رأت أن المشكلة لا تحل بالحجز، بل بوضع قوانين وتطبيقها، مشيرة إلى أن “بكل دول العالم هناك رخصة خاصة لقيادة الموتور وعمر أدنى والتزام بقواعد المرور”.
الفكرة ذاتها تكررت عند Mohamad H Hammoud، الذي اعتبر أن الدراجة وسيلة نقل عالمية، لكن تنظيمها عبر شهادة قيادة والالتزام بالقانون هو ما يجعلها جزءًا من النظام المروري لا عنصرًا خارجًا عنه.
وبين هذين الطرحين، برزت مقترحات أكثر تفصيلًا، إذ تحدث د. محمود موسى طلوزي عن ضرورة فرض عقوبات رادعة على المخالفين، مع اشتراط شهادة قيادة خاصة ووضع رقم واضح على الدراجة، فيما اختصر Zaid Alnaimi الفكرة بعبارة: “التنظيم والترخيص بسعر مقبول وتحديد العمر”.
هذا التيار لا ينظر إلى الدراجة كأزمة بحد ذاتها، بل كوسيلة تحتاج إلى إطار قانوني واضح يضبط استخدامها.
الضجيج.. الشرارة التي أشعلت النقاش
رغم أن النقاش بدأ حول “الانتشار”، فإن ما غذى حدته كان الضجيج الليلي وسلوك بعض السائقين.
Chadi E. AL Tatar أشار إلى أن أصوات الدراجات ليلًا أصبحت غير محتملة، بينما رأت Ghinaa Al Safadi أن بعض السائقين يسرعون داخل الأحياء ثم “يتوقعون حادثًا”.
أما Hesham Ad فذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن المشكلة ليست في الترسيم أو اللوحات، بل في السائق نفسه، متحدثًا عن مخالفات أخلاقية مثل رفع صوت العادم والتهور، وداعيًا إلى وجود شرطة صارمة تطبق القانون بوضوح بدل الاكتفاء بالشعارات.
Hayat Kightrose ربطت المسألة بعامل العمر، معتبرة أن قيادة القاصرين للدراجات تمثل خطرًا مضاعفًا، وطالبت بتحديد سن قانوني واضح وتكثيف الدوريات.
وتظهر هذه التعليقات أن الإزعاج الليلي والقيادة الاستعراضية داخل الأحياء السكنية شكّلا محور الغضب الأساسي، أكثر من مجرد وجود الدراجات في حد ذاته.
“لا تحملوا الدراجات كل المشكلة”
في المقابل، ظهرت أصوات تحذر من التعامل مع الظاهرة بعقلية المنع الشامل.
Slam Sy كتب أن هناك من لا يملك وسيلة نقل سوى الدراجة، وأن مصادرتها قد تضر بشباب يعتمدون عليها للوصول إلى أعمالهم.
Mohammed Daalain تساءل عما إذا كانت السيارات بريئة من الازدحام، في إشارة إلى أن الأزمة المرورية أوسع من الدراجات وحدها.
Tamam Kh قدم قراءة وسطية، معتبرًا أن الدراجة قد تكون وسيلة إنقاذ اقتصادي أو سبب مأساة، وأن الفارق بين الحالتين هو التنظيم العادل والتطبيق المسؤول.
ويتداخل في هذا الطرح البعد المروري مع البعد المعيشي، إذ تتحول الدراجة من “مشكلة” في نظر البعض إلى “حل” في نظر آخرين.
المصادرة.. عقوبة لا قاعدة
رغم أن خيار المصادرة جاء الأقل في التعليقات المرقمة، فإن بعض المشاركين رأوا أن التشدد ضروري بحق المخالفين.
Adnan Jamal Sreem دعا إلى مصادرة دراجة كل من يزعج الناس بأصوات مرتفعة، مع فرض غرامة مالية وتوقيف مؤقت “كي يرتدع”.
Ks Jinsus رأى أن الترسيم يجب أن يترافق مع مصادرة موتورات التهريب، فيما اقترح Abo Abd Alrhman اشتراط رخصة وحسن سلوك قبل السماح بامتلاك الدراجة.
لكن اللافت أن هذه الدعوات ربطت المصادرة بالمخالفة والسلوك المزعج، لا بوجود الدراجة نفسها، ما يعزز فكرة أن الجدل يدور حول “كيف تقاد” لا “هل تقاد”.
أفكار عملية من قلب النقاش
لم يقتصر التفاعل على المواقف العامة، بل تضمن مقترحات تنظيمية محددة.
Rabee Bayad اقترح تحديد سرعة قصوى تبلغ 30 كم/ساعة داخل المدينة، وسحب الدراجة من كل من يعدل محركها.
Ahmad Natouf دعا إلى تحديد طرق معينة يسمح فيها بسير الدراجات ومنع وصولها إلى الشارع الرئيسي.
Abo Hassan تحدث عن تثبيت سرعة الدراجات ومنع وجود مكنات ذات سرعات عالية داخل المدينة، إلى جانب إنشاء مراكز تدريب عملي ونظري، والمطالبة بالترخيص ومحاسبة المخالفين.
Bilal Yehya اقترح ترسيم كل دراجة برقم واضح وتوقيع تعهد بعدم استخدامها في الإزعاج، مع مصادرة نهائية عند التكرار.
وتشير هذه المقترحات إلى أن النقاش لم يكن عاطفيًا فقط، بل تضمن محاولات لصياغة حلول تنظيمية قابلة للتطبيق.
مزاج عام يميل إلى الحل الوسط
يظهر مجمل النقاش أن المشاركين في الاستطلاع ليسوا أمام انقسام حاد بين الأبيض والأسود.
فالغالبية لا تطالب بمنع الدراجات بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل استمرار الفوضى.
الضجيج الليلي والقيادة المتهورة شكّلا نقطة الالتقاء في الاستياء، بينما ظل البعد الاقتصادي حاضرًا بقوة في الدفاع عن استمرار استخدامها.
وبين التنظيم والمصادرة، يتبلور اتجاه عام يدعو إلى ترخيص واضح، وتحديد عمر قانوني، وضبط السرعة والعوادم، وتفعيل الرقابة والعقوبات، بما يوازن بين حق التنقل وحق السكان في الهدوء.
الاستطلاع لم ينه الجدل، لكنه كشف أن النقاش المجتمعي في داريا تجاوز سؤال “مع أو ضد”، ليصل إلى سؤال أعمق: كيف يمكن تحويل وسيلة نقل ضرورية إلى جزء من نظام مروري منضبط يحفظ سلامة المدينة وراحتها؟
اقرأ أيضًا: حملات مكافحة الدراجات النارية في داريا تفتح جدلًا بين السكان