يمشي الحاج سعيد خشفة (أبو محمد) تحت عريشة العنب، يتفقد العناقيد، وينزع ورقة صفراء، ثم يقص غصنًا زائدًا قبل أن ينتقل إلى دالية أخرى.
يعرف أبو محمد ما تحتاجه العريشة من نظرة واحدة. فقد بدأ العمل في الزراعة وهو في السابعة من عمره، حين كان يرافق والده وجده إلى الأرض، ويتعلم منهما مواعيد الري والقطاف وطرق العناية بالمزروعات.
ولد سعيد خشفة عام 1945، وهو أب لتسعة أبناء. أمضى معظم حياته في الزراعة، وعمل في أرض النباعات التي كان يملكها والده في منطقة «مشرّق»، إلى جانب أرض أخرى في المازنية.
زرع الخيار والبندورة والفول والباذنجان والأشجار المثمرة، وكان يخصص في كل موسم جزءًا من أرضه للعنب.
كان يجمع المحصول من الكرم، ويعبئه في السحارات، ثم يرسله إلى سوق الهال. أما اليوم، فلم يبق لدى أبو محمد سوى عدد قليل من الدوالي والعرائش التي يأكل من ثمارها هو وأسرته.
«اللي ما عنده عنب بداريا مو فلاح»
لم يكن العنب بالنسبة إلى سعيد خشفة محصولًا عاديًا، ويقول إن معظم فلاحي داريا كانوا يزرعونه، وإن امتلاك الكرم كان جزءًا من حياة الفلاح ومكانته بين أهل المدينة.
ويختصر ذلك بعبارة كان يسمعها قديمًا: «اللي ما عنده عنب بداريا مو فلاح».
وعُرفت داريا لسنوات طويلة بكرومها وبورق العنب الذي كان يصل إلى أسواق دمشق ومدن سورية أخرى.
لكن مساحات واسعة من الكروم تضررت أو تُركت خلال سنوات الحرب، ومع عودة الأهالي لم تعد زراعة العنب كما كانت، بسبب نقص المياه وارتفاع تكاليف العمل الزراعي.
متابعة يومية
يقول خشفة إن خدمة العنب تبدأ قبل القطاف بأشهر، ولا تنتهي إلا مع نهاية الموسم.
فعندما كانت المياه متوفرة، كان المزارع يروي كرمه كل ستة إلى ثمانية أيام، ويعود إليه يوميًا تقريبًا ليتفقد الأغصان والعناقيد، وينزع الأوراق الزائدة، ويرفع الفروع التي تقترب من الأرض، ويرش الدوالي عند الحاجة.
ويقول: «الفلاح كل يوم لازم يجي يشوف العنب تبعه».
وكان انتظام الري ينعكس على شكل العنقود وحجم الحبات، فكلما حصلت العريشة على حاجتها من المياه، كان إنتاجها أفضل، بينما يضعف العنب ويصغر حجمه عند نقص الري.
ولا يزال نقص المياه من أبرز ما يواجه الزراعة في داريا اليوم. فقد تحدث مزارعون في تغطيات سابقة لعنب بلدي عن صعوبة تأمين الري المنتظم، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو الاكتفاء بعدد محدود من الأشجار.
أصناف وورق مشهور
يعدد أبو محمد أصنافًا كانت منتشرة في داريا، منها الحلواني والبلدي والداراني والزيني والعنب الأسود.
وكان الزيني والداراني من الأصناف المفضلة للأكل، بينما اشتهر الزيني أيضًا بورقه الطري والمستدير، الذي كانت الأسر تستخدمه في إعداد اليبرق.
ويقول إن ورق العنب الداراني كان مطلوبًا في الأسواق، وإن النساء كن يشاركن في قطافه وفرزه وتجهيزه للبيع أو للاستخدام في المنزل.
وظل ورق العنب من المنتجات التي ارتبط اسم داريا بها، حتى بعد تراجع مساحات الكروم.
كل الأسرة تشارك في الموسم
كان قطاف العنب يبدأ عادة في النصف الثاني من الصيف، وتشارك فيه الأسرة كلها.
يقطع بعض أفرادها العناقيد، ويحمل آخرون السلال، بينما يتولى آخرون فرز العنب وتعبئته.
ويقول أبو محمد إنهم كانوا يجمعون العنب في سلال مصنوعة من القصب، ثم يضعونه في السحارات وينقلونه إلى سوق الهال.
هناك، كان الفلاحون يعرضون إنتاجهم أمام المحال، ويشتريه التجار بحسب النوع والجودة.
وكان موسم العنب يشكل مصدر دخل لكثير من الأسر، إلى جانب ما تنتجه أراضيها من الخضراوات والأشجار المثمرة.
الزبارة.. سر المحصول
بعد انتهاء الموسم وتساقط الأوراق، تبدأ «الزبارة»، وهو الاسم الذي يستخدمه مزارعو داريا لتقليم العنب.
يزيل المزارع الأغصان اليابسة والضعيفة، ويبقي على الفروع التي يتوقع أن تحمل عناقيد في الموسم المقبل.
ويقول أبو محمد إن المزارع يتعلم ذلك بالممارسة، لأن كل عريشة تختلف عن الأخرى.
فإذا أبقى عليها عددًا كبيرًا من الأغصان، ضعف المحصول، وإذا بالغ في تقليمها، قل إنتاجها.
وبعد نمو الفروع الجديدة، يعود المزارع لإزالة الأغصان الزائدة وبعض الأوراق، حتى تصل التهوية والضوء إلى العناقيد، من دون أن تبقى مكشوفة بالكامل أمام الشمس.
ولا يزال أبو محمد، وهو في الـ81 من عمره، يؤدي هذه الأعمال في العرائش القليلة التي بقيت لديه، بالطريقة التي تعلمها منذ طفولته.
كروم أقل
توقفت زراعة سعيد خشفة خلال سنوات الحرب، كما توقفت الزراعة في مساحات واسعة من داريا بعد خروج السكان من المدينة وتعذر الوصول إلى الأراضي.
وعندما عاد الأهالي، كانت بعض الأراضي متضررة، وكانت الآبار وشبكات الري والطرق الزراعية بحاجة إلى إصلاح، كما احتاجت الكروم إلى سنوات من الخدمة حتى تستعيد إنتاجها.
لكن نقص المياه وارتفاع تكاليف الزراعة حالا دون عودة كثير من المزارعين إلى زراعة العنب على نطاق واسع.
ويقول أبو محمد إن العنب يحتاج إلى متابعة مستمرة، ولا يستطيع المزارع انتظار موسم القطاف فقط. فالدالية تحتاج إلى الري والتقليم والرش والتنظيف طوال العام.
ولهذا تحولت زراعة العنب، في كثير من الحالات، من كروم تنتج للسوق إلى عرائش صغيرة في ساحات المنازل والأراضي القريبة منها، تؤمن للأسرة بعض الثمار وورق العنب، إضافة إلى الظل في الصيف.
ما بقي من العنب
تجاوز الحاج سعيد خشفة الثمانين من عمره، وما يزال يتفقد الدوالي، ويقص أغصانها، وينظف ما حول عناقيدها.
لم تعد لديه المساحات التي كان يزرعها، ولا المحصول الذي كان يحمله إلى سوق الهال، لكن العريشة بقيت جزءًا من يومه.
وبالنسبة إليه، لا تحتاج العريشة إلى كثير من الكلام، بل إلى الماء والخدمة، وإلى فلاح يتفقدها كل يوم.