“المخترة” في داريا.. من وجاهة الحي إلى ختم المعاملات

صورة افتراضية لمختار داريا معدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي (عنب بلدي)

لعقود طويلة، لم يكن ختم المختار في داريا مجرد إجراء إداري تمر عبره بعض الوثائق الرسمية.

كان الختم جزءًا من مؤسسة محلية أوسع، عرفت باسم “المخترة”، جمعت بين تنظيم المعاملات، ومعرفة الناس، والتوسط في الخلافات، وتمثيل الأحياء أمام الجهات الرسمية.

فالمختار لم يكن موظفًا مسؤولًا عن تنظيم بعض المعاملات وختم الوثائق فحسب، بل كان أيضًا وجهًا اجتماعيًا ومرجعًا محليًا بين الأهالي، يُقصد لحل الخلافات، والتوسط بين العائلات، وتثبيت الوقائع التي تحتاج إلى شاهد محلي يعرف الناس ومساكنهم وعلاقاتهم.

لكن هذا الدور شهد تحولات تدريجية، بالتزامن مع توسع المدينة وتغير علاقتها بالدولة، ولا سيما بعد تزايد التدخلات الحزبية والأمنية في تعيين المخاتير.

ويرى عدد من الشهود الذين التقت بهم عنب بلدي أن ذلك أسهم في تراجع المكانة الاجتماعية التي تمتع بها المختار التقليدي، فتحول المنصب بصورة متزايدة نحو وظيفة إدارية مرتبطة بإجراءات الدولة ومعاملاتها.

تستعرض عنب بلدي في هذا التقرير تحولات مؤسسة “المخترة” في مدينة داريا، وترصد التغيرات التي طرأت على دور المختار ومكانته الاجتماعية والإدارية خلال العقود الماضية، استنادًا إلى معلومات ووثائق جمعتها من مصادر عدة، إضافة إلى مقابلة توثيقية أجرتها مع أحد مخاتير مدينة داريا، يوثق من خلال شهادته ملامح هذا المنصب في ذاكرة المدينة، وكيف تبدلت أدوار المخاتير بين الماضي والحاضر.

داريا والتقسيم الإداري

تاريخيًا، قُسمت داريا إلى ثلاث مناطق رئيسية هي: الحارة الشمالية، المعروفة محليًا باسم “الشمالى”، والحارة القبلية، المعروفة محليًا باسم “القبالى”، وحارة الخولاني.

كان توزيع المخاتير يرتبط بعدد السكان والتوسع العمراني أكثر من ارتباطه بالعائلات، على الرغم من عدم وجود قانون ينص صراحة على ارتباط عدد المخاتير بعدد السكان.

لكن الواقع المحلي كان يفرض هذه المعادلة، فكلما ازداد عدد السكان أو ظهرت أحياء جديدة، جرى تعيين مخاتير إضافيين لتغطية المناطق المستحدثة.

وتظهر الوثائق الرسمية أن داريا كانت تتمتع بمكانة إدارية مهمة في ريف دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين، فقد أُحدثت فيها بلدية مستقلة عام 1925، كما تشير قرارات إدارية لاحقة إلى أن المزة كانت تتبع لناحية داريا، ما يعكس الدور الإداري الذي أدته المدينة في محيطها خلال تلك المرحلة.

ومع اتساع داريا لاحقًا، لم يعد المختار مرتبطًا بصورة الحي القديم فقط، بل صار جزءًا من شبكة محلية أوسع، تتغير بحسب توسع العمران، وزيادة السكان، وظهور مناطق جديدة تحتاج إلى من يتابع معاملاتها وشؤون سكانها.

المختار كوجاهة اجتماعية

استند وصول المختار إلى منصبه في الماضي إلى المكانة الاجتماعية والسمعة الحسنة، وكان الأهالي ينظرون إليه باعتباره شخصية موثوقة، قادرة على التوسط بين الناس وإصلاح ذات البين، لا مجرد صاحب ختم رسمي.

وبرز في داريا عدد من المخاتير الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه المكانة الاجتماعية، من بينهم مصطفى أبو الهوى “أبو حسين”، وسليم زيادة “أبو فارس”، وعبد المجيد السقا، وعمر طه “أبو حسين”، وغيرهم من المخاتير الذين أدوا أدوارًا اجتماعية بارزة في فترات مختلفة.

لم يكن دور هؤلاء يقتصر على تنظيم المعاملات، بل شمل التدخل في حل الخلافات العائلية والعقارية، والمشاركة في اللجان والوفود الأهلية التي كانت تمثل المدينة أمام المحافظة والجهات الحكومية.

وكانت بيوت بعض المخاتير أو مضافاتهم تؤدي وظيفة اجتماعية وإدارية في آن واحد، إذ يستقبلون الأهالي، ويعالجون مشكلاتهم، وينظمون معاملاتهم من المكان نفسه.

وبذلك تحولت “المضافة” أو بيت المختار إلى مساحة تجمع بين الوظيفة الرسمية والعلاقة الاجتماعية المباشرة.

ختم المختار في حياة الناس

كان المختار يشكل نقطة البداية لمعظم المعاملات المدنية. فجزء مهم من الوثائق كان يبدأ من ختمه أو يمر من طريقه، لأن الدوائر الرسمية كانت تحتاج إلى إثبات محلي لمكان الإقامة، أو معرفة الشخص، أو تأكيد واقعة اجتماعية أو أسرية.

ومن أبرز هذه الوثائق “سندات الإقامة”، التي كانت تستخدم لإثبات مكان إقامة الشخص أمام الدوائر الحكومية، وتُطلب في معاملات التوظيف، والتسجيل المدرسي، والتجنيد، واستخراج بعض الوثائق الرسمية.

وكانت “شهادة التعريف” تستخدم لاستخراج البطاقة الشخصية لأول مرة، إذ يشهد المختار، من موقع معرفته المحلية، على هوية الشخص وصلته بالمنطقة.

أما “استمارات الزواج”، فكانت تمر عبر المختار للتأكد من بيانات الزوجين ومكان إقامتهما، قبل استكمال الإجراءات لدى المحكمة الشرعية.

وكذلك “استمارات الوفاة”، التي كانت تستخدم لتسجيل الوفاة رسميًا، وشطب قيد المتوفى، وتنظيم معاملات الإرث ونقل الملكية.

وكان للمختار دور في وثائق “مكتومي القيد”، وهي وثائق تساعد الأشخاص غير المسجلين في السجلات المدنية، مثل بعض أفراد “النور” الرُّحل، على إثبات هويتهم من خلال الشهود والمعرّفين.

كما كانت “وثائق حسن السيرة والسلوك” تطلب أحيانًا في قضايا الوصاية، أو في بعض المعاملات القضائية والإدارية التي تحتاج إلى شهادة من شخصية محلية معروفة.

ومن الوثائق المهمة أيضًا صكوك “التخاصص” وتقسيم الأراضي، إذ كان المختار يشهد على اتفاق الشركاء أو الورثة في تقسيم الأراضي، ما يمنح الوثيقة قوة إثبات كبيرة عند حدوث نزاعات لاحقًا.

وشملت معاملات المختار كذلك وثائق إثبات مصاريف الدفن، التي كانت تستخدم غالبًا للحصول على تعويضات أو مساعدات مالية من جهات العمل أو النقابات أو بعض المؤسسات الرسمية التي تمنح إعانات للورثة أو تغطي جزءًا من تكاليف الدفن.

واعتمد المختار في عمله على سجلات ورقية كبيرة، كان يدون فيها أسماء أصحاب المعاملات وبياناتهم، قبل أن يبدأ بعض المخاتير باستخدام الحواسيب وبرامج الأرشفة في السنوات اللاحقة.

ومع هذا التحول، دخلت المخترة تدريجيًا مرحلة الأرشفة الحديثة، لكنها بقيت، في جوهرها، قائمة على معرفة المختار بالناس والأحياء.

كما كان المختار مسؤولًا عن التحقق من إقامة الوافدين الجدد إلى المدينة، والتأكد من بياناتهم من خلال أصحاب العقارات والجيران والعلاقات المحلية السائدة في الأحياء. وهذه المهمة كانت تتطلب معرفة يومية بالمجتمع، لا مجرد التعامل مع أوراق رسمية.حل الخلافات والنزاعات

حل الخلافات قبل المخفر والمحكمة

كان للمختار دور اجتماعي يتجاوز حدود العمل الإداري. فقد اعتاد الأهالي اللجوء إليه عند وقوع خلافات عائلية، أو نزاعات بين الجيران، أو مشكلات تتعلق بالميراث والعقارات.

وفي كثير من الحالات، كان المختار يجتمع مع وجهاء الحي أو مخاتير الأحياء الأخرى، لمحاولة الوصول إلى تسوية ترضي الأطراف المتنازعة قبل انتقال القضية إلى المخفر أو المحكمة.

واستمد هذا الدور من مكانته الاجتماعية ومن ثقة الناس به، أكثر مما استمده من أي صلاحيات قانونية واسعة. فالمختار كان يعرف العائلات، ويدرك طبيعة العلاقات داخل الحي، ويملك قدرة على التواصل مع الأطراف بطريقة يصعب على المؤسسة الرسمية القيام بها وحدها.

أما القضايا الجنائية الكبرى، مثل جرائم القتل أو السرقات الموصوفة، فكانت تبقى من اختصاص الجهات الأمنية والقضائية، ولا تدخل في إطار دور المختار إلا بحدود المعرفة المحلية أو التهدئة الاجتماعية عند الحاجة.

من يختار المختار؟

تنص القوانين الناظمة للمخاتير على مبدأ الانتخاب، غير أن الممارسة العملية خلال العقود الأخيرة سارت، بحسب الشهادات المحلية، في اتجاه مختلف.

فبدل أن يكون الوصول إلى المنصب قائمًا على انتخاب مباشر، كان المجلس البلدي يقترح اسمًا لشغل المنصب، ثم يُرفع إلى شعبة “حزب البعث”، ومنها إلى “فرع الحزب”، قبل إحالته إلى المحافظة لإصدار القرار وتسليم الختم الرسمي.

وبذلك، أصبحت الموافقة الحزبية والأمنية جزءًا أساسيًا من عملية الوصول إلى المنصب، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين النص القانوني القائم على الانتخاب، والواقع العملي القائم على التعيين والموافقة المسبقة.

هذا التحول لم يؤثر فقط في آلية اختيار المختار، بل انعكس أيضًا على صورته الاجتماعية، فكلما ابتعد المنصب عن الإرادة المحلية المباشرة، تراجعت، في نظر بعض الأهالي، صورة المختار بوصفه ممثلًا اجتماعيًا للحي، وتقدمت صورته بوصفه حلقة إدارية ضمن شبكة الدولة.

مخاتير داريا قبيل عام 2011

مع التوسع العمراني وازدياد عدد السكان، ارتفع عدد المخاتير في داريا ليصل إلى أكثر من ثمانية مخاتير موزعين على أحياء مختلفة.

ومن أسماء المخاتير التي وردت في المقابلات التي أجرتها عنب بلدي المتعلقة بفترة ما قبل عام 2011: أبو إياد خضر، وعمر طه، ومحمود الأزوق، ومالك العبار، وعبده أبو بكر، وجمال خولاني، وأحمد بيرقدار، وأبو سعيد السقا.

ولم يؤد توسع المدينة إلى فقدان المختار صلته بالسكان بالضرورة، بل جرى التعامل مع النمو السكاني من خلال زيادة عدد المخاتير وتقسيم مناطق عملهم.

وساعدت طبيعة المنصب والعلاقات الاجتماعية المحلية على استمرار معرفة المختار بأهالي منطقته والوافدين الجدد إليها.

لكن هذا الاتساع جعل المنصب أكثر ارتباطًا بالتقسيم الإداري وتغطية المعاملات اليومية، مقارنة بالصورة القديمة التي كان فيها المختار وجهًا اجتماعيًا واسع الحضور داخل مجتمع أصغر وأكثر ترابطًا.

أجور المعاملات.. خدمة عامة ومصدر دخل

لم تكن أجور المعاملات موحدة دائمًا، كما لم يكن هناك فهم واحد لطبيعة المقابل المالي الذي يتقاضاه المختار.

فبعض المخاتير، ولا سيما من الجيل الأقدم، كانوا يعتبرون المنصب خدمة اجتماعية، ويكتفون بأجور رمزية، أو يمتنعون عن تقاضي أي مبالغ من أبناء المدينة.، بينما كانوا يحصلون على مبالغ محدودة من الغرباء أو الوافدين مقابل الوقت والجهد المبذولين في تنظيم المعاملة أو التحقق من البيانات.

في المقابل، شهدت العقود اللاحقة اتجاهًا مختلفًا لدى بعض المخاتير، إذ ارتفعت الرسوم المفروضة على بعض المعاملات والأختام.

ولم تكن هناك تسعيرة واحدة ثابتة، فكل مختار كانت له تسعيرة مختلفة عن الآخر، وإن تقاربت التعريفات في كثير من الأحيان.

ومع مرور الوقت، بدأت “المخترة”، في نظر بعض الأهالي، تتحول من خدمة اجتماعية إلى مصدر دخل، وهو ما أثار انتقادات محلية، وأسهم في تغيير صورة المنصب ومكانته داخل المجتمع.

تراجع المكانة الاجتماعية للمختار

بدأت المكانة التقليدية للمختار بالتراجع تدريجيًا خلال العقود الأخيرة.

ولم يكن السبب، بحسب من التقتهم عنب بلدي، التوسع العمراني أو زيادة عدد السكان وحدهما، بل مجموعة من العوامل المتداخلة.

أول هذه العوامل كان ازدياد التدخل الحزبي والأمني في اختيار المخاتير، الأمر الذي أضعف ارتباط المنصب بالإرادة المحلية والثقة الاجتماعية المباشرة.

وإلى جانب ذلك، أسهمت المصالح المالية المرتبطة ببعض المعاملات في تغيير صورة المختار لدى قسم من الأهالي، خاصة عندما صار الختم، في نظرهم، مرتبطًا بتسعيرة أو أجر أكثر من ارتباطه بالخدمة العامة.

كما شهد المجتمع تغيرات اجتماعية وثقافية واسعة أدت إلى تراجع دور المرجعيات التقليدية عمومًا، ومن بينها دور المختار.

فقد اتسعت المدينة، وتغيرت علاقات الناس بالمؤسسات الرسمية، وتقدمت الدوائر الحكومية والأجهزة الإدارية على حساب المرجعيات المحلية القديمة.

ومع الوقت، أصبح المنصب أقرب إلى وظيفة إدارية مرتبطة بالمعاملات الرسمية، أكثر من قربه إلى موقع اجتماعي يتمتع بالهيبة والنفوذ اللذين عرفهما في السابق.

من الوجاهة إلى الوظيفة الإدارية

بحلول عام 2011، كانت “المخترة” في داريا قد مرت بتحولات كبيرة خلال ما يقارب قرنًا من الزمن.

فقد ارتبط المنصب في بداياته بالوجاهة الاجتماعية، ومعرفة الناس، والإصلاح بين المتخاصمين، وتحمل مسؤوليات إدارية محدودة في بلدة صغيرة.

ثم تحول تدريجيًا، مع توسع المدينة وتغير آليات التعيين وزيادة ارتباط المعاملات بالدولة، إلى وظيفة إدارية أكثر التصاقًا بالإجراءات الرسمية.

وبين هذين النموذجين تبدلت مكانة المختار ودوره، لكن “المخترة” بقيت جزءًا أساسيًا من تاريخ داريا الاجتماعي والإداري، ومن ذاكرة أجيال متعاقبة من سكانها.

مقالات ذات صلة

زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود