بعد نحو 27 عامًا، لا تتذكر هدى ألم المسطرة بقدر ما تتذكر وقوفها أمام زملائها وهي تبكي وتتوسل إلى معلمتها أن تتوقف عن ضربها.
كانت في الصف الثالث الابتدائي في داريا، وتأخرت نحو خمس دقائق عن الحصة برفقة ابنة جيرانها التي كانت تدرس معها. سمحت المعلمة لزميلتها بالجلوس، بينما طلبت من هدى أن تفتح يديها، ثم ضربتها بمسطرة عريضة ملفوفة بشريط لاصق أسود.
أما أماني، التي تبلغ اليوم 33 عامًا، فتربط بين صفعتين تلقتهما في الثالثة عشرة وتركها المدرسة.
وعلى خلاف التجربتين، تتذكر دعاء معلمة ضربتها مرة في الصف الأول، لكنها ما تزال تذكر لطفها وتشجيعها لها أكثر من تلك الحادثة.
«قدام رفقاتي كان صعب»
تبلغ هدى، وهو اسم مستعار، اليوم 35 عامًا، وما بقي في ذاكرتها من الحادثة ليس الألم الجسدي.
تقول لعنب بلدي: «الوجع مو كتير بتذكرو، بس الموقف وقدام رفقاتي كان صعب».
لم تخبر هدى أسرتها بما حدث. كان والدها يعمل من الصباح حتى وقت متأخر، وكانت والدتها منشغلة بأطفال صغار ولا تخرج كثيرًا من المنزل.
وتقول إن الحادثة أثرت في صورتها عن نفسها خلال سنوات الدراسة: «وقت كنت بالمدرسة حس ما بقى عندي شخصية».
وما يزال تذكر الموقف يزعجها، ولم تستطع، بحسب قولها، مسامحة المعلمة.
بعد أن أصبحت أمًا، صارت هدى تتابع ما يحدث مع بناتها في المدرسة وتتدخل عند وقوع أي سوء تفاهم، وترفض استخدام الضرب أو الإهانة مع الطلاب، مهما كان الخطأ الذي ارتكبوه.
صفعتان ثم ترك المدرسة
كانت أماني، وهو اسم مستعار أيضًا، في الثالثة عشرة عندما دخلت موجهة إلى صفها وسألتها عن خاتم كانت ترتديه، وما إذا كان خاتم خطوبة حقيقيًا.
أجابت أماني بأنها مخطوبة، وتقول إن الموجهة صفعتها مرتين، ثم أجلستها قرب سلة القمامة.
وكانت شقيقتا خطيبها في المدرسة وشاهدتا ما حدث، وتقول أماني إن الإحراج الذي شعرت به دفعها إلى ترك المدرسة.
مر نحو 20 عامًا على الحادثة، وما تزال تربط انقطاعها عن التعليم بذلك الموقف، ولم تتدخل أسرتها حينها للاعتراض على ما حدث.
وتقول أماني إن ضرب الطلاب كان ينظر إليه داخل أسرتها في ذلك الوقت باعتباره أمرًا يمكن أن يحدث في المدرسة.
اليوم، لديها ابن يبلغ 16 عامًا، وتقول إنها تهتم بما يتعرض له داخل المدرسة وتتابع المشكلات التي قد يواجهها هناك.
تتذكر المعلمة أكثر من العقوبة
كانت دعاء في الصف الأول عندما ضربتها معلمتها مرة واحدة.
لا تتذكر اليوم سبب العقوبة، ولا تحمل تجاه المعلمة مشاعر سلبية بسببها، ما بقي في ذاكرتها هو تعامل المعلمة معها في بقية الأيام، ولطفها وتشجيعها لها.
وبعد أن أصبحت دعاء أمًا، تقول إنها ما تزال تدعو لمعلمتها بالخير كلما تذكرتها.
وفي مقابلات أخرى أجرتها عنب بلدي مع أشخاص في داريا، تحدث مشاركون عن تعرضهم للضرب لأسباب مختلفة، بينها عدم الانتظام في الاصطفاف، أو تغيير جزء من اللباس المدرسي، أو عدم ربط الشعر بالطريقة المطلوبة.
وقال بعضهم إن ما تعرضوا له أثر في حالتهم النفسية أو علاقتهم بمواد دراسية، بينما قال من أصبح منهم مدرسًا لاحقًا إنه يتجنب مع طلابه الأساليب التي عومل بها خلال طفولته.
لماذا تبقى بعض المواقف؟
تقول الأخصائية النفسية مرح صبح لعنب بلدي إن أثر التعنيف يختلف بحسب عمر الطفل وشدة ما تعرض له وتكراره، وما إذا كان الضرب ترافق مع الإهانة، إضافة إلى البيئة الأسرية والدعم الذي يتلقاه بعد الحادثة.
ولا تؤدي حادثة واحدة بالضرورة إلى أثر يستمر سنوات، وفق صبح، خصوصًا إذا توقف التعنيف ووجد الطفل من يستمع إليه ويدعمه.
ويزداد احتمال استمرار الأثر عندما يكون التعنيف شديدًا أو متكررًا أو مصحوبًا بالإهانة.
وتقول صبح إن المدرسة يفترض أن تكون مكانًا يشعر فيه الطفل بالأمان، وعندما يستخدم المعلم العنف قد يتأثر شعور الطالب بهذا الأمان وعلاقته بالمدرسة.
وقد يفهم الطفل أيضًا أن الشخص الذي يتعلم منه ويحترمه يستطيع استخدام العنف لفرض النظام أو التعامل مع المشكلات.
وتذكر صبح الخجل والقلق وتراجع الثقة بالنفس والعزوف عن الذهاب إلى المدرسة وتأثر التحصيل الدراسي ضمن الآثار التي قد تظهر لدى بعض الأطفال.
عندما يخبر الطفل أسرته
تقول أخصائية دراسة سلوكيات الأطفال أسيل درويش لعنب بلدي إن التعامل مع الطفل الذي تعرض للضرب يبدأ بتأكيد أن الخطأ الذي قد يكون ارتكبه لا يبرر الاعتداء عليه.
فإذا كان الطفل محقًا، تنصح بالاستماع إليه واحتواء مشاعره والتواصل مع المدرسة، وإذا كان قد أخطأ، يمكن للأسرة أن تناقش معه خطأه، من دون استخدامه مبررًا للضرب.
وتحذر درويش من الرد بعبارات مثل «الآنسة بتعرف مصلحتك» أو «اللحم إلكن والعضم إلنا»، لأنها قد تجعل الطفل يشعر بأن أسرته لن تحميه عندما يتعرض للأذى.
وتنصح بالاستماع إلى روايته حتى النهاية، والتحقق من وجود آثار جسدية إن وجدت، وسؤاله عمن شاهد الواقعة، ثم التواصل مع إدارة المدرسة.
أما تكذيب الطفل أو لومه على ما تعرض له، فقد يفقده، بحسب درويش، الثقة بأسرته ويدفعه لاحقًا إلى إخفاء ما يحدث معه.
وتشير إلى أهمية أن يعرف الطفل أيضًا إلى من يمكنه اللجوء داخل المدرسة، سواء كان المدير أو المرشد أو شخصًا بالغًا قادرًا على التدخل، وألا يشعر بأن عليه مواجهة المشكلة وحده.
الانضباط من دون ضرب
تفرق درويش بين العقاب والانضباط، فالضرب قد يوقف سلوكًا بسبب الخوف من العقوبة، لكنه لا يساعد الطفل بالضرورة على فهم سبب خطئه أو السلوك المطلوب منه.
وتقترح، بحسب طبيعة المخالفة، وضع قواعد واضحة وحدود للسلوك، أو حرمان الطفل من ميزة لفترة محددة، مع تعاون الأسرة والمدرسة عند تكرار المشكلة.
وتقول إن هذه الأساليب تحتاج إلى وقت ومتابعة، لكنها تساعد الطفل على فهم الخطأ بدل الاكتفاء بالخوف من العقوبة.
وعند ظهور تغيرات مثل نوبات البكاء أو العدوانية الشديدة أو الانسحاب أو التراجع الدراسي، تنصح درويش بالاستعانة بأخصائي نفسي للأطفال والتعاون مع المدرسة.
وترى صبح أن رفض الضرب لا يعني إعفاء الطالب من احترام المعلم أو الالتزام بقواعد الصف.
وعند تكرار المشكلات السلوكية، تقترح تفعيل دور المرشد النفسي والاجتماعي للتواصل مع الطالب وأسرته ومعلمه ومعرفة أسباب السلوك قبل تحديد طريقة التعامل معه.
بعد 27 عامًا، لا تتذكر هدى عدد الضربات التي تلقتها ولا مقدار الألم الذي سببته المسطرة. ما تتذكره هو أنها كانت في الصف الثالث، أمام زملائها، تطلب من معلمتها أن تتوقف.