عند مدخل سوق عجم في مدينة داريا، تتقاطع أصوات الباعة مع حركة المتسوقين في مشهد يعيد شيئًا من الحياة إلى واحد من أقدم الأسواق الشعبية في المدينة، خاصة مع حلول شهر رمضان.
بالنسبة لجمال دلعين، الذي أمضى سنوات طويلة في هذا المكان، فإن السوق ليس مجرد صف من المحال التجارية، بل جزء من ذاكرة المدينة.
يقول وهو يشير إلى المحال الممتدة في الزقاق الضيق، إنه “وعى على الدنيا والسوق موجود”، لكنه يتذكر أيامًا كان فيه المكان يضم “محلين أو ثلاثة فقط لبيع الأقمشة”.
تغير السوق كثيرًا منذ ذلك الوقت، لكن الاسم بقي، فبحسب تيسير عجم، أحد أقدم الباعة في المكان، ارتبط اسم السوق بعائلته منذ عقود.
يروي أن والده أو كاسم عجم اشتهر ببيع الألبسة، وكان الأهالي يقولون ببساطة: “نروح لعند عجم”، ومع مرور الوقت أصبح الاسم متداولًا بين الناس حتى صار يطلق على السوق كله.
رمضان.. موسم الحركة
في الأيام الأولى من رمضان تبدو الحركة في السوق هادئة نسبيًا، لكن ذلك لا يستمر طويلًا.
يقول عبد الرحمن مراد، وهو بائع في السوق، إن الأيام الأولى من الشهر تمر عادة دون ازدحام كبير، “لكن بعد يومين أو ثلاثة تبدأ الحركة بالانطلاق”.
هذا ما يلاحظه أيضًا فراس سيد سليمان، بائع ألبسة في السوق، الذي يرى أن الحركة بدأت تتحسن هذا العام منذ منتصف رمضان تقريبًا، ويضيف أن الإقبال في الأيام الأخيرة “أفضل من السنوات السابقة”.
أسعار معقولة.. وتعامل مختلف
بين المحال المزدحمة نسبيًا، تتوقف إحدى المتسوقات لتصف تجربتها في السوق.
تقول إن الأسعار هنا “معقولة”، مشيرة إلى أن بعض المحال تقدم تخفيضات مقارنة بأسواق أخرى.
لكن ما يميز السوق بالنسبة لها ليس السعر فقط، بل طريقة التعامل، فبعض الباعة يسمحون للزبائن بأخذ الملابس إلى المنزل لتجربتها قبل إعادتها أو تبديلها إذا لم تناسبهم، وهو أمر تقول إنه لم يعد متاحًا بسهولة في كثير من الأسواق.
سوق الأقمشة القديم
في الماضي، كان سوق عجم معروفًا أساسًا بمحلات الأقمشة.
يشير فراس عجم، وهو بائع في السوق، إلى أن السوق مذكور في كتاب “داريا تاريخ وحضارة”، وكان من الأماكن التي نشطت فيها حركة التجارة قديمًا.
اليوم تغيرت طبيعة السوق، فإلى جانب الأقمشة، تنتشر محال الألبسة والأحذية والإكسسوارات، مع تنوع في الأسعار والموديلات لتناسب مختلف الزبائن.
ذكريات الجيران والقيشاني
يتذكر بعض الباعة أسماء محال قديمة كانت جزءًا من هوية السوق.
يقول عبد الرحمن مراد إن المكان كان يضم محالًا لعائلات معروفة مثل الفيومي والسويد، قبل أن تتغير طبيعة التجارة فيه مع مرور الوقت.
كما يتحدث التجار عن تقليد قديم كان معروفًا في السوق يتعلق بـ“القيشاني”، وهو ما كانت العائلات تشتريه ضمن تجهيزات الزواج.
ويقول مراد إن تكلفة هذه التجهيزات كانت قد تصل أحيانًا إلى ما يعادل مهر العروس، وكانت العائلات تتباهى بما تشتريه من أقمشة وتجهيزات.
البيع في زمن آخر
يروي تيسير عجم كيف كانت الحياة في داريا مختلفة تمامًا قبل عقود.
يتذكر أن الشوارع كانت ترابية، والإضاءة محدودة، ومع ذلك كان السوق يعج بالحركة.
كان والده يبيع الأقمشة، وكانت العائلات تأتي لتشتري القماش لتفصيل الملابس لكل أفراد الأسرة، لم تكن الأكياس البلاستيكية موجودة حينها، فكان القماش يلف ويعطى للزبائن بهذه الطريقة.
أما الدفع، فكان يتم أحيانًا بشكل مؤجل، فبعض الأهالي كانوا يسددون ثمن مشترياتهم بعد انتهاء الموسم الزراعي، عندما يبيعون محاصيلهم من الخضار.
سوق بين زمنين
اليوم يقف سوق عجم بين زمنين، زمن قديم كانت فيه محال الأقمشة محور السوق، وزمن جديد تغيرت فيه البضائع والزبائن وحتى طرق البيع.
ومع عودة الحركة تدريجيًا خلال المواسم، وخاصة في رمضان، يأمل أصحاب المحال أن يستعيد السوق شيئًا من حيويته القديمة، وأن يبقى مكانًا يجمع بين ذاكرة داريا القديمة ونبضها اليومي.