يتلقى سائقو السرافيس في داريا أوراقًا نقدية قديمة من الركاب، لكن بعضهم لا يستطيع استخدامها لشراء الوقود أو حاجاته اليومية، بعدما بدأت محال ومحطات وقود وجهات صرافة برفضها قبل انتهاء المهلة الرسمية لتداولها.
وفي أحد مواقف السرافيس، قال سائق لعنب بلدي إنه حاول دفع ثمن المازوت بالعملة القديمة، لكن العاملين في محطة الوقود طلبوا منه أوراقًا جديدة، رغم أن غالبية ما يجمعه من الركاب ما يزال من الإصدار القديم.
ولا يستطيع السائق رفض كل راكب لا يحمل عملة جديدة، كما يقول، لكنه يجد نفسه في نهاية يومه أمام مبلغ لا تقبله بعض الجهات التي يحتاج إلى التعامل معها.
وتتكرر المشكلة بين أصحاب المحال والمتسوقين وسائقي النقل، إذ يقبل بعضهم الأوراق القديمة من الزبائن، لكنه يعجز عن إعادتها إليهم كباقي الحساب، أو عن استخدامها لاحقًا لدى الموردين ومحطات الوقود ومكاتب الصرافة.
وتأتي هذه الاضطرابات في الأيام الأخيرة قبل انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة في 30 من تموز، وفقدانها قوتها الإبرائية بدءًا من 31 من الشهر نفسه، في وقت ما تزال فيه كميات منها متداولة بين السكان.
يدفعون بالقديمة ويرفضون استعادتها
يواصل رياض حيدر، وهو صاحب محل في داريا، قبول العملة القديمة من الزبائن، لكنه يقول إن المشكلة تظهر عندما يحاول إعادتها إليهم ضمن باقي الحساب.
وأوضح لعنب بلدي أن الزبون قد يدفع بورقة قديمة، لكنه يطلب استرداد باقي المبلغ بالعملة الجديدة، خوفًا من بقائها معه بعد انتهاء مهلة التداول.
ولا يجد حيدر جهة قريبة تتيح له استبدال ما يتجمع لديه بسهولة، بحسب قوله، إذ رفضت جهات صرافة وحوالات مالية استلام بعض المبالغ، أو لم تكن تملك سيولة جديدة كافية لاستبدالها.
وتحول هذا الخوف إلى سلوك يومي داخل الأسواق، فالأوراق القديمة لا تزال تنتقل من الزبائن إلى أصحاب المحال، لكنها تواجه رفضًا عند محاولة دفعها في اتجاه معاكس.
ويواجه أحمد حمودة المشكلة نفسها، إذ حاول استبدال نحو مليون ليرة قديمة، أو استخدامها لشراء حاجاته، لكنه قال إن مكاتب صرافة وبعض المحال رفضت قبولها.
وأضاف لعنب بلدي أن المشكلة لا تتعلق بحجم المبلغ فقط، بل بعدم قدرته على استخدام مال لا يزال، في وقت إجراء المقابلة، ضمن فترة التداول الرسمية.
وكانت عنب بلدي قد رصدت، منذ بداية عملية الاستبدال، محدودية كميات العملة الجديدة المتاحة في المصارف وشركات الصرافة، واختلاف سقوف الاستبدال بحسب المؤسسة والسيولة المتوفرة لديها.
كما كان مكتب شركة “الهرم”، وفق رصد سابق لعنب بلدي، يستبدل مبالغ محدودة وفي أوقات معينة، ما ترك أصحاب الأنشطة التجارية أمام مبالغ قديمة تفوق قدرتهم اليومية على تبديلها.
المحال تقبلها لكن الزبائن يرفضونها
في أحد المتاجر الكبيرة بمدينة داريا، قال مديره، محمد خالد الصغير، إن المتجر استمر بقبول العملة القديمة التزامًا بالمدة المحددة رسميًا، لكن بعض الزبائن رفضوا الحصول عليها عند إعادة باقي الحساب.
وأضاف لعنب بلدي أن العاملين في المتجر يواجهون ارتباكًا عند كل عملية دفع، إذ يريد الزبون التخلص من أوراقه القديمة، لكنه لا يريد استعادتها بعد وصولها إلى صندوق المحاسبة.
أما ضياء أبو اللبن، وهو صاحب محل في المدينة، فقال إن نقص الفئات الجديدة الصغيرة زاد المشكلة تعقيدًا، إذ لا تتوفر دائمًا أوراق تكفي لإعادة باقي الحساب للزبائن.
ويؤدي ذلك أحيانًا إلى خلافات داخل المحال، أو إلى أن يتنازل صاحب المحل أو الزبون عن جزء بسيط من المبلغ، بينما يضطر أبو اللبن في حالات أخرى إلى إضافة سلعة صغيرة بدل إعادة الباقي نقدًا.
وقال إن محله يستقبل يوميًا بين خمسة وستة ملايين ليرة من الإصدار القديم، في حين لم يكن يستطيع استبدال أكثر من مليون ليرة في بعض المراكز التي راجعها.
ودفع هذا التفاوت بعض أصحاب المحال إلى تقليل قبول العملة القديمة قبل انتهاء المهلة، خشية تراكم مبالغ لا يجدون مكانًا قريبًا لاستبدالها.
ولا تقتصر المشكلة على رفض العملة القديمة، بل تشمل نقص الفئات الجديدة الملائمة للمدفوعات الصغيرة، وهو ما يجعل تسديد الأسعار وإعادة “الفراطة” أكثر صعوبة، خصوصًا في المحال ووسائل النقل التي تعتمد على الدفع النقدي المباشر.
السائق بين الراكب ومحطة الوقود
تظهر الأزمة بصورة أوضح لدى سائقي السرافيس، لأنهم يتلقون خلال اليوم عشرات المدفوعات الصغيرة من الركاب، قبل أن يحتاجوا إلى جمعها لدفع ثمن الوقود أو شراء حاجاتهم.
وقال محمد بلال شقير، وهو سائق سرفيس، لعنب بلدي، إن بعض الركاب يرفضون أخذ العملة القديمة عند إعادتها إليهم، بينما يدفع بها ركاب آخرون لأنهم لا يملكون سواها.
وأضاف أنه يقبل الأوراق القديمة في كثير من الأحيان، لكنه يعجز لاحقًا عن استخدامها في بعض المحال أو لدى الجهات التي يسدد لها التزاماته.
ولا يستطيع شقير الاحتفاظ يوميًا بمبالغ كبيرة من الإصدار القديم، ويصبح تراكم العملة لديه عبئًا يتجاوز قدرته على تحمله.
أما محمد أبو عيسى، وهو سائق، فقال إنه راجع عدة محطات وقود محاولًا تعبئة مركبته، لكن العاملين فيها طلبوا منه العملة الجديدة.
وأضاف أن بعض الأشخاص يعرضون استبدال 500 ألف ليرة قديمة بمبلغ يتراوح بين 470 و480 ألفًا، بما يعني خسارة جزء من القيمة للحصول على أوراق جديدة، وهي ممارسة قال إنه اضطر إلى التفكير فيها لتأمين الوقود والاستمرار في العمل.
ولم تتمكن عنب بلدي من التحقق بصورة مستقلة من حجم انتشار هذا النوع من الاستبدال أو الجهات التي تنفذه، لكن شهادات السائقين تشير إلى ظهور عمليات تبديل غير رسمية مقابل اقتطاع جزء من المبلغ، نتيجة ارتفاع الطلب على الإصدار الجديد.
“ما معه غيرها”
لم يتمكن عيسى الجاسم، وهو سائق سرفيس، من رفض أوراق قديمة قدمها له أحد الركاب، بعدما أخبره الأخير أنه لا يحمل غيرها.
وقال الجاسم لعنب بلدي إن معظم ما يصل إلى السائقين ما يزال خليطًا من العملتين، في حين ترفض بعض المحال ومحطات الوقود الأوراق القديمة، ما يجعل السائق آخر من تتجمع لديه.
وأضاف أن الحل لا يكون بتحميل الراكب أو السائق مسؤولية المشكلة، بل بسحب الأوراق القديمة تدريجيًا مع توفير كميات كافية من الإصدار الجديد، أو منح السكان مهلة تتيح لهم التخلص منها دون خسارة.
وبحسب حديث السائقين فإن رفض العملة لا يجري دائمًا بشكل اختياري، فالراكب الذي لا يملك أوراقًا جديدة يحتاج إلى الوصول، والسائق الذي يقبل القديمة يحتاج بدوره إلى جهة تستخدمها، بينما تحاول كل حلقة في سلسلة التداول نقلها إلى الحلقة التالية قبل انتهاء المهلة.
استبدال محدود داخل داريا
لا تنفصل أزمة التداول عن صعوبة الاستبدال داخل المدينة.
ورصدت عنب بلدي قبل أيام شكاوى عن محدودية الجهات التي تستبدل العملة القديمة وعدم وضوح المراكز التي تنفذ العملية، ما دفع عددًا من السكان وأصحاب المحال إلى التوجه نحو صحنايا وقدسيا ودمشق للحصول على أوراق جديدة.
ويعني ذلك أن صاحب المحل أو سائق السرفيس قد يحتاج إلى مغادرة داريا والانتظار أمام مركز استبدال، بدل القدرة على تبديل المبلغ ضمن المدينة، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة أعمال تعتمد على الحضور اليومي والدخل المحدود.
وكان مصرف سوريا المركزي قد مدد مهلة الاستبدال حتى 30 من تموز، وسمح باستبدال جميع الفئات القديمة، من فئة 50 ليرة وصولًا إلى خمسة آلاف ليرة.
كما طلب من المؤسسات المالية الامتناع عن إعادة الأوراق القديمة إلى التداول وتسليم المتعاملين العملة الجديدة حصرًا.
ماذا يحدث بعد 30 من تموز؟
أكد مصرف سوريا المركزي أن مهلة الاستبدال لدى المؤسسات المالية تنتهي في 30 من تموز، وأن العملة القديمة تصبح غير صالحة قانونًا للتداول وإجراء المعاملات المالية بدءًا من 31 منه.
ولا تعني فترة السنوات الخمس التي يتحدث عنها بعض السكان استمرار الاستبدال بالطريقة الحالية أو بقاء العملة صالحة للتداول.
فبحسب تعليمات المركزي، تبدأ بعد انتهاء المهلة مرحلة “سحب” تمتد خمس سنوات، وتتم حصرًا عبر مصرف سوريا المركزي، على ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية من أي فئة، وبعد التدقيق تحول قيمتها إلى حساب مصرفي بالعملة الجديدة، بدل تسليمها نقدًا مباشرة إلى حاملها.
ويختلف هذا الإجراء عن الاستبدال الجاري في المصارف وشركات الصرافة، كما قد يصعب استخدامه بالنسبة لمن تبقى لديهم مبالغ صغيرة أو لا يملكون حسابات مصرفية، وهو ما يفسر محاولة السكان وأصحاب المحال التخلص من الأوراق القديمة قبل انتهاء المهلة.