مكتبة “فكر وبناء” في داريا.. محاولة لاستعادة القراءة خارج الصف

أحد القائمين على مكتبة مؤسسة “فكر وبناء” يرتب كتبًا على الرفوف داخل المكتبة في داريا - 17 آذار 2026 (عنب بلدي - أنس تقى)

أضعفت سنوات الحرب في داريا البيئة التعليمية والثقافية، ولم يقتصر أثرها على تضرر المدارس أو تعطل الدراسة، بل امتد إلى علاقة الطلاب بالقراءة والكتاب ومساحات التعلم خارج الصف.

ومع هذا التراجع، برزت مبادرات محلية حاولت سد جزء من الفراغ، من بينها مكتبة مؤسسة “فكر وبناء” التربوية، التي تستقبل طلاب المدارس والجامعات والأهالي، وتوفر مكانًا للمطالعة والدراسة، إلى جانب أنشطة وبرامج مرتبطة بالقراءة.

افتتحت المكتبة استجابة لحاجة ظهرت بوضوح بعد الحرب، مع غياب أماكن تتيح الوصول إلى الكتب أو تقضي فيها الأسر والطلاب وقتًا في المطالعة والتعلم.

وتقول منسقة المكتبة، شفاء السقا، إن الفكرة قامت على إحياء القراءة والثقافة في منطقة افتقرت إلى هذا النوع من المساحات، وتشجيع الأهالي والطلاب على الاقتراب من الكتاب بوصفه وسيلة للمعرفة وبناء الوعي.

وبحسب السقا، لم تكن الفكرة مجرد وضع كتب داخل قاعة، بل إنشاء مكان يستطيع الناس الجلوس فيه والقراءة والاطلاع على موضوعات مختلفة، خصوصًا أولئك الذين لا يستطيعون شراء الكتب أو لا يجدون في منازلهم بيئة مناسبة للمطالعة.

رصيد متنوع وخطة لزيادة العناوين

تعمل المكتبة على توسيع محتواها بصورة مستمرة. وتوضح السقا أن المكان ما يزال بحاجة إلى مزيد من الكتب، رغم مساهمة بعض الأهالي في دعمه عبر تقديم عناوين مجانية.

وكانت البداية مع شراء كتب للأطفال، قبل الانتقال إلى خطة شهرية لرفد المكتبة بعناوين جديدة في مجالات السياسة والثقافة والتاريخ والعلوم والدين، إلى جانب الروايات وكتب علم الاجتماع وكتب الأطفال.

ويبلغ رصيد المكتبة حاليًا 1669 عنوانًا. وتفتح أبوابها من الساعة العاشرة صباحًا حتى السادسة مساءً.

هذا التنوع في المحتوى يعكس محاولة لجذب قراء من أعمار واهتمامات مختلفة، بدل حصر المكتبة في فئة عمرية أو معرفية واحدة.

مكان هادئ للدراسة برسوم رمزية

تستخدم المكتبة أيضًا بوصفها مساحة دراسة لطلاب الجامعات وغيرهم من الطلاب الذين يحتاجون إلى مكان هادئ، خاصة في ظل وجود كثيرين لا تساعدهم منازلهم على التركيز أو لا تتوفر فيها خدمات مناسبة.

ولهذا تم تجهيز المكان بطاولات للدراسة، وخدمة إنترنت، وبيئة أكثر ملاءمة للتركيز.

وتقول شفاء السقا إن الهدف من هذه الخدمة هو مساعدة الطلاب على تنظيم وقتهم والالتزام بالدراسة، ولذلك تتقاضى المكتبة رسومًا رمزية من مستخدمي مساحة الدراسة فقط، لا من رواد المطالعة العامة.

وتبلغ أجرة الساعة الواحدة 1000 ليرة سورية، واليوم الكامل 8000 ليرة، بينما يصل الاشتراك الشهري إلى 80 ألف ليرة.

وخلال الشهر الماضي، استفاد من هذه المساحة 420 طالبًا، بمعدل يومي تراوح بين 20 و25 طالبًا، وهو رقم يشير إلى حاجة فعلية داخل المنطقة لمكان من هذا النوع.

عمل مباشر مع المدارس

لا تكتفي المكتبة باستقبال من يزورها، بل تذهب أيضًا نحو المدارس عبر زيارات وأنشطة تعريفية.

ويشرف على هذا الجانب الأستاذ يوسف المنجد، مسؤول القسم الثقافي في مركز الشهيد يحيى الشربجي، من خلال تنظيم زيارات مدرسية داخل المكتبة شملت مدارس المحدثة والعاشرة والغوطة.

وتهدف هذه الزيارات إلى تعريف الطلاب بالمكان وبالكتب، وتشجيعهم على القراءة خارج إطار المنهاج.

ورافقت بعض هذه الأنشطة هدايا للطلاب، بينها كتب ومطبوعات مثل مجلة “عطاء”، في محاولة لبناء علاقة مبكرة بينهم وبين الكتاب.

وخلال رمضان، نظمت المكتبة مسابقة في السيرة النبوية لطلاب الصف العاشر. وشهدت المسابقة إقبالًا من المشاركين الذين كانوا يأتون إلى المكتبة لقراءة المواد المطلوبة وتلخيصها، كما تنظم المكتبة برنامجًا شهريًا لقراءة كتاب خلال مدة محددة، يعقبه لقاء نقاشي في موعد مسبق.

أثر مباشر على بعض الطلاب

تظهر نتائج هذه الأنشطة في تجارب بعض الطلاب المشاركين، فقد شاركت لين الإمام، وهي طالبة في الصف العاشر، في مسابقة قراءة شملت كتاب “خاتم النبيين” وسورتي لقمان والواقعة وبعض الأحاديث.

كما ترى نور الهدى جنبلاط، وهي من المستفيدات من المكتبة وشاركت في قراءة كتاب السيرة، أن القراءة توسع مدارك العقل وتزيد المعرفة بالتاريخ القديم.

مثل هذه الشهادات تعكس أثرًا يتجاوز النشاط نفسه، إذ تمنح المكتبة للطلاب مناسبة منتظمة للقراءة والعودة إلى الكتاب، في وقت ما تزال فيه آثار التراجع التعليمي والثقافي حاضرة في حياتهم.

برنامج قراءة للنساء

لم تقتصر برامج القراءة على الطلاب، بل امتدت إلى النساء عبر برنامج قراءة شهري شاركت فيه 18 سيدة. وقامت المشاركات بقراءة كتب، ثم تلخيصها ومناقشتها في جلسة جماعية.

ومن بين الكتب التي قرئت في هذا البرنامج: “قطار التقدم” للدكتور عبد الكريم بكار، و“قوانين النهضة.. قواعد في الممارسة السياسية” للدكتور جاسم السلطان. وبعد الانتهاء من القراءة، اجتمعت المشاركات في مركز المؤسسة لمناقشة ما قرأنه وتبادل الآراء حوله.

وحصلت الفائزات في المسابقة على جوائز مالية، فيما نالت جميع المشاركات جوائز تقديرية.

ويكشف هذا النشاط أن القراءة في المكتبة ليست فعلًا فرديًا فقط، بل مساحة للنقاش وتبادل الأفكار والقراءة الجماعية.

محاضرات وبرامج مرافقة

يمتد دور المكتبة إلى ما هو أبعد من الرفوف وجلسات القراءة، فقد استضافت محاضرات وفعاليات فكرية، منها محاضرة بعنوان “سبل السلام” قدمتها حنان الحام والدكتور محمد العمار ضمن فعالية “أسبوع فكري” لمؤسسة جودت سعيد، بينما تولت المؤسسة تنسيق المكان والخدمات.

ويرى يوسف المنجد أن المكتبة تشكل محورًا أساسيًا للأنشطة في المركز، بسبب تقاطعها مع البرامج التعليمية والثقافية الأخرى، فوجودها لا يقتصر على توفير الكتب، بل يفتح الباب أمام أنشطة تقوم أصلًا على وجود قارئ ومهتم ومشارك.

ويقول المنجد إن البرنامج المعتاد للمكتبة كان يتضمن محاضرات شهرية وعرض فيلم، لكن بعض هذه البرامج توقف أو تأجل بسبب رمضان والعيد.

ومع ذلك، بقيت قاعة القراءة مفتوحة يوميًا، ويجري العمل حاليًا على إعداد برنامج خاص لإعارة الكتب خارج المكتبة.

وتشمل الخطط المقبلة بعد العيد دورات في الكتابة، تتناول القصة والقصائد والمقالة، مع مسابقات مرتبطة بها. كما يجري العمل على تطوير نادي كتاب شهري يقوم على اختيار كتاب ومناقشته في موعد محدد، مع توجه إلى توسيع المشاركة فيه تدريجيًا.

مكان يعود إليه الناس

تكمن أهمية هذا النوع من المكتبات في وظيفته اليومية أكثر من عدد الكتب أو الفعاليات.

فالمكان يستخدم للدراسة، وتقصده مجموعات مختلفة للقراءة أو البحث عن كتاب أو حضور نشاط أو قضاء وقت هادئ.

وما تزال مدينة داريا تحاول استعادة جزء من بيئتها التعليمية والثقافية بعد سنوات الحرب، تبدو هذه الوظيفة ذات معنى مباشر، فالمكتبة ليست مجرد مرفق ثقافي، بل مساحة تعيد إدخال الكتاب إلى حياة الناس بوصفه جزءًا من التعلم والمعرفة، لا شيئًا معزولًا عنها.

مقالات ذات صلة

من المبادرات الصغيرة إلى العمل المنظم.. ندوة للدكتور عبد الكريم بكار في داريا

بعد نحو 40 عرضًا دوليًا.. «غاندي الصغير» يصل إلى داريا

جناح ريف دمشق في معرض دمشق الدولي.. داريا من المظاهرات إلى التهجير