من ساحات القتال إلى مقاعد الدراسة.. مقاتلون سابقون من داريا ينجحون في البكالوريا

طلاب من داريا يتابعون إحدى الدورات التحضيرية لشهادة البكالوريا في المركز الثقافي بمدينة داريا - 11 حزيران 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

لم تكن نتائج البكالوريا بالنسبة إلى سفيان مراد وعماد تويم ومحمد جمال الدين ويامن الأحمر نهاية عام دراسي فقط، بل عودة إلى مسار تعليمي انقطع منذ أكثر من عقد، عندما أوقفت الثورة السورية والحرب دراستهم، وانتقل بعضهم من مقاعد المدرسة إلى ساحات القتال، فيما أصيب اثنان منهم خلال سنوات الحرب.

وبعد نجاحهم في امتحانات هذا العام، بدأ الأربعة التفكير في المرحلة الجامعية، بين العلوم السياسية والحقوق وإدارة الأعمال والأدب الإنكليزي، في وقت استعادوا فيه تجربة العودة إلى الكتب بعد 12 و15 عامًا من الانقطاع، ومحاولات الموازنة بين الدراسة والعمل والأسرة والإصابات التي خلفتها الحرب.

الحلم يتأجل ولا ينتهي

كان سفيان مراد يستعد لتقديم شهادة البكالوريا مع بداية الثورة السورية، قبل أن ينقطع عن الدراسة نحو 15 عامًا.

وقال لعنب بلدي إن إتاحة الفرصة أمام المنقطعين عن الدراسة شجعته على المحاولة من جديد، إلى جانب رغبته القديمة في دخول الجامعة وقناعته بأن “العلم سلاح بيضل بإيد الإنسان”.

ولم تكن العودة سهلة في بدايتها. فعندما فتح الكتب للمرة الأولى بعد سنوات الانقطاع، شعر بأنه لم يعد يفهم كثيرًا مما يقرأ، قبل أن يبدأ تدريجيًا بكسر حاجز الخوف مستعينًا بالدورات والملخصات ومقاطع الفيديو التعليمية.

ويرى سفيان أن سنوات العمر منحته في المقابل قدرة أكبر على فهم بعض الموضوعات، إذ أصبح يمتلك اطلاعًا وتجارب لم تكن لديه عندما كان في سن المدرسة.

أما عماد تويم، فتوقف عن الدراسة عام 2012 بينما كان يستعد للبكالوريا، قبل أن يشارك في الاحتجاجات ضد النظام السابق ثم في العمل المسلح، ويعيش سنوات الحصار في داريا.

وقال لعنب بلدي إنه بعد سقوط النظام السابق رأى أن الوقت أصبح مناسبًا للعودة إلى الدراسة، معتبرًا أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى العلم إلى جانب التجربة التي راكمها خلال سنوات الحرب.

وبدوره، كان محمد جمال الدين يستعد لتقديم البكالوريا عام 2012 قبل أن يوقف انضمامه إلى الجيش الحر مساره الدراسي، ثم يعيش سنوات التهجير في تركيا.

وقال إن حلم استكمال الدراسة لم يغب عنه خلال تلك السنوات، وإن تقديم امتحانات البكالوريا كان من الأسباب التي دفعته إلى الإسراع بالعودة إلى داريا بعد سقوط النظام السابق.

وكانت استعادة المعلومات بعد سنوات الانقطاع أكثر ما يقلقه، خصوصًا مع عودته إلى سوريا وانشغاله بالتأقلم مع حياته الجديدة.

أما يامن الأحمر، فانقطع عن الدراسة قبل نحو 12 عامًا، وكانت آخر محاولة له لتقديم البكالوريا الحرة عام 2012، قبل أن تحول ظروف الثورة دون استكمالها.

وقال لعنب بلدي إن الشهادة أصبحت بالنسبة إليه اليوم حاجة مرتبطة بسوق العمل، إضافة إلى رغبته في متابعة دراسته الجامعية.

بين العمل والأسرة والكتب

واجه الأربعة تحديًا آخر بعد اتخاذ قرار العودة إلى الدراسة، تمثل في إيجاد الوقت للتحضير للامتحانات إلى جانب العمل والمسؤوليات اليومية.

يعمل سفيان بدوام عسكري، إلى جانب عمل خاص في التصميم الغرافيكي، واضطر خلال فترة التحضير إلى إيقاف عمله الخاص والتفرغ للدراسة مع الاستمرار في عمله الأساسي.

وقال إن الأسابيع الأخيرة قبل الامتحانات كانت الأكثر ضغطًا، إذ لم يكن ينام أكثر من أربع ساعات يوميًا.

وبدأ تحضيره الجدي قبل نحو شهر فقط من موعد الامتحانات، ما جعله يعتمد بصورة مكثفة على الملخصات والدورات، ويخصص الأيام الأخيرة لمراجعة مادتي اللغة العربية والإنجليزية.

ووصف عودته إلى أجواء الامتحان بقوله: “أيام الامتحان بتوتر، وبحس حالي رجعت ولد صغير”.

أما محمد جمال الدين، فكان ينتظر نوم أطفاله ليبدأ الدراسة ليلًا، ثم يتوجه إلى عمله في الصباح.

واعتمد بصورة أساسية على الدورات المكثفة التي أقيمت في المركز الثقافي، وقال إنها ساعدته على الوصول إلى أهم محاور المنهاج خلال الفترة القصيرة المتاحة للتحضير.

واتبع يامن الأحمر نمطًا مشابهًا، إذ توزع يومه بين العمل والدراسة والأسرة، وبدأ التحضير الجدي قبل نحو شهرين فقط من الامتحانات.

وقال عماد تويم إن الجمع بين العمل والدراسة بعد سنوات طويلة من الانقطاع كان من أصعب أجزاء التجربة، لكنه واصل التحضير حتى موعد الامتحانات.

الإصابة تدخل قاعة الامتحان

لم تكن مشكلة سفيان الوقت وحده، إذ تقدم إلى الامتحانات وهو يعاني إصابة في يده اليمنى ورجله نتيجة الحرب.

وقال إن وزارة التربية طلبت من الطلاب الذين تمنعهم إصاباتهم من الكتابة استخراج تقارير طبية من مشفى المجتهد، قبل تخصيص أشخاص لكتابة الإجابات نيابة عنهم داخل قاعات الامتحان.

وكان سفيان يملي الإجابات على الشخص المكلف بالكتابة، في تجربة مختلفة عن الامتحانات التي كان يستعد لها قبل سنوات الحرب.

ويواجه عماد تويم أيضًا آثار إصابة تعرض لها خلال الحرب، وهي إصابة قد تؤثر لاحقًا في بعض الخيارات الدراسية التي يفكر فيها، ولا سيما الاختصاصات التي تتطلب شروطًا صحية ولياقة بدنية.

الفلسفة والعربية أصعب المواد

بعد سنوات الانقطاع، برزت اللغة العربية والفلسفة بوصفهما أكثر المواد صعوبة بالنسبة إلى عدد من المتقدمين.

وقال سفيان إن الفلسفة كانت المادة الأصعب بالنسبة إليه، لأنه دخل إليها معتقدًا أن المطلوب التعبير عن رأيه الشخصي، قبل أن يكتشف أن الإجابات تعتمد بدرجة أكبر على فهم أفكار الفلاسفة وصياغاتهم كما يطرحها المنهاج.

أما يامن الأحمر، فوصف اللغة العربية بأنها “بحر من العلم”، وقال إنه خصص أسبوعًا كاملًا لمراجعتها قبل الامتحان، بينما حصل في الفلسفة على الحد الأدنى للنجاح.

وقال عماد إن الفلسفة كانت أصعب مادة واجهته أيضًا، تلتها اللغة العربية.

في المقابل، كان محمد جمال الدين يخشى امتحان اللغة العربية أكثر من غيره، لكنه فوجئ بعد ظهور النتائج بحصوله على علامة وصفها بالممتازة.

الجامعة بعد انتظار طويل

مع إعلان النتائج، تحولت البكالوريا بالنسبة إلى الناجحين من هدف انتظروه سنوات إلى نقطة انطلاق نحو الدراسة الجامعية.

حصل سفيان مراد على معدل 73.8%، ويأمل أن تتيح له المفاضلة دراسة العلوم السياسية أو الحقوق.

كما يفكر في الالتحاق بالكلية الحربية أو الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، لكنه يرجح أن تشكل إصابته عائقًا أمام القبول بسبب متطلبات اللياقة البدنية.

وقال إن سنوات الحرب منحت جيله تجربة واسعة، لكنها أظهرت له أيضًا أهمية الدراسة الأكاديمية.

وأضاف: “درسنا الحرب بالتجارب وأخطأنا، لكن حان الوقت، بما أننا أصبحنا نتحمل مسؤوليات، أن نكون دارسين أكاديميًا حتى نعرف كيف نوجه الجيل الذي بعدنا”.

أما يامن الأحمر، الذي حصل على معدل 77%، فينتظر صدور المفاضلة، ويفكر في دراسة إدارة الأعمال إذا سمحت له معدلات القبول بذلك.

ويطمح عماد تويم إلى دراسة العلوم الأمنية بحكم عمله الحالي، لكنه يتوقع أن تدفعه شروط العمر والحالة الصحية إلى التفكير في الحقوق أو العلوم السياسية.

أما محمد جمال الدين، فيضع الأدب الإنكليزي في مقدمة خياراته، بانتظار معرفة ما تسمح به المفاضلة.

دعم أعادهم إلى الدراسة

لم يعتمد الأربعة على الدراسة الفردية وحدها، إذ لعبت الدورات المكثفة ودعم المدرسين والعائلات دورًا في مساعدتهم على استعادة المناهج خلال فترة قصيرة.

وقال سفيان إن عددًا من المدرسين تابعوا معهم منذ بداية التجربة، بينهم مدرس الفلسفة مصطفى زواعة، ومدرس التاريخ والجغرافيا جمال الأقدر، ومدرس اللغة العربية عبد المنعم الشحادات، والموجه التربوي عامر شماشان.

كما أشار إلى دور ياسر جمال الدين في تنسيق المبادرة المخصصة للطلاب المنقطعين عن الدراسة، وإبراهيم زعيتر في إتاحة المركز الثقافي لإقامة الدورات.

وقال سفيان إنهم كانوا في البداية “ضايعين”، وإن متابعة المدرسين ساعدتهم على تجاوز خطوة بدت لهم صعبة عند بداية العودة.

وأشاد عماد تويم كذلك بدور شقيقته وصهره، وكلاهما يعمل في التدريس، إلى جانب المدرسين الذين قدموا الدورات المكثفة.

أما يامن الأحمر، فقال إن المدرسين والمعاهد ساعدوه على تبسيط المواد التي واجه صعوبة فيها، خصوصًا العربية والفلسفة، بينما اعتبر محمد جمال الدين أن الدورات التي أقيمت في المركز الثقافي كانت الأساس الذي اعتمد عليه في مراجعة المنهاج.

وبعد أكثر من عقد على مغادرة مقاعد الدراسة، يعود الأربعة اليوم إلى انتظار جديد، هذه المرة ليس لنتيجة البكالوريا، بل للمفاضلة التي ستحدد الاختصاصات التي يستطيعون الالتحاق بها، بعدما أعادتهم الامتحانات إلى مسار تعليمي توقف منذ عام 2012 وما حوله.

مقالات ذات صلة

مدرستا النكاش والتجارية تقتربان من التسليم.. التشغيل ينتظر إجراءات التربية

دروس خصوصية في داريا بين 150 و400 ليرة جديدة.. هل هي ضرورية؟

بعد جدل مجلس الشعب.. آراء متباينة في داريا حول ضرب الطلاب