طلاب يتوجهون إلى مدرسة في مدينة داريا - 26 شباط 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)
خلال العامين الأخيرين، عادت عشرات العائلات إلى مدينة داريا بعد سنوات من اللجوء في تركيا ومصر ودول أخرى، لتجد نفسها أمام تحد لا يقل تعقيدًا عن قرار العودة نفسه، وهو تعليم الأبناء.
شهادات الأهالي، الذين التقت بهم عنب بلدي، تشير إلى أن الانتقال إلى المدارس لم يكن سلسًا، بل رافقته فجوة واضحة بين المناهج التي درسها الطلاب في الخارج والمنهاج السوري، إلى جانب اختلاف أساليب التدريس، واكتظاظ الصفوف، ونقص الكوادر، وتعقيدات إدارية تتعلق بالمعادلات ونقل القيود.
كما شكلت كلفة المدارس الخاصة عائقًا أمام معظم الأسر العائدة.
صدمة المنهاج.. خصوصًا في البكالوريا
أبو عمر شريدي، الذي عاد إلى داريا في تموز 2025 بعد سنوات في تركيا، يتحدث عن فجوة واضحة بين ما درسه أبناؤه هناك والمنهاج السوري.
كانت ابنته في الصف الحادي عشر، وابنه في الثامن، في مدارس عربية خاصة خارج سوريا.
بعد العودة، واجهت ابنته، التي أصبحت في البكالوريا، ضغطًا كبيرًا منذ الأيام الأولى. يقول والدها إن “المنهاج السوري مكثف جدًا وصعب، خصوصًا للبكالوريا”، مشيرًا إلى كثافة الكتابة، وتعقيد المسائل، وصعوبة اللغة العربية مقارنة بما اعتادته في تركيا.
ويضيف أن الصدمة لم تكن في مادة بعينها، بل في حجم العبء العام، معتبرًا أن الطالب يحتاج تأسيسًا قويًا قبل الدخول في المنهاج السوري، وإلا سيتحول الانتقال إلى ضغط نفسي مباشر.
هيثم شريدي، العائد قبل عام، يروي تجربة مشابهة مع ابنه الذي درس الصفوف الثلاثة الأولى في إسطنبول.
احتاج الطفل إلى دعم مكثف في اللغة العربية خلال الصيف حتى يتمكن من متابعة الصف الرابع دون إعادته سنة دراسية للوراء.
“في فرق كبير بطريقة الشرح والامتحانات”، يقول، موضحًا أن الانتقال لم يكن بسيطًا حتى في المراحل الابتدائية.
اللغة والأسلوب.. فجوة تعليمية وقسوة تعامل
ندى، العائدة من إسطنبول منذ سبعة أشهر، ترى أن المشكلة الأعمق لم تكن في صعوبة المواد فقط، بل في أسلوب التعامل داخل الصف.
ابنتها الكبرى تابعت في البكالوريا دون إعادة سنة، بينما أعيدت شقيقتها من الصف السابع إلى السادس بسبب تاريخ الميلاد.
لكن ندى تقول إن بناتها واجهن صعوبة في التأقلم مع طريقة الشرح وأسلوب بعض المعلمات.
“لم نتوقع أن يكون الأسلوب بهذه القسوة”، تضيف السيدة، مشيرة إلى استخدام ألفاظ وصفتها بـ “النابية” من قبل بعض المعلمات بحق الطلاب.
راجعت ندى إحدى المعلمات بعد أن سمعت عبارات وصفتها بـ”غير المقبولة”، لتفاجأ برد مفاده أن الطلاب يتعاملون بطريقة سيئة أيضًا.
ترى ندى أن الطالب العائد ليس مسؤولًا عن هجرته، وأن المدرسة يفترض أن تراعي خصوصية من عاشوا سنوات في نظام تعليمي مختلف. “إذا المعلمة بتتعامل مع الطلاب باحترام، الطفل بيتعلم”، تقول.
هيثم شريدي يربط بين هذا الأسلوب وبين تراجع رغبة ابنه في الذهاب إلى المدرسة، مشيرًا إلى أنه وصل إلى مرحلة رفض الدوام بسبب “الكلام الكبير والسيئ”، ورغم تحسن اندماجه لاحقًا مع زملائه، بقيت تجربة البداية صعبة.
حنين وانكسار ثقة
الحنين إلى المدرسة السابقة عنصر متكرر في شهادات الأهالي.
تقول ندى إن بناتها “يشتقن جدًا لمدارسهن ورفاقهن” في تركيا، ويشعرن أنهن كن أفضل هناك من حيث الأداء والاستقرار النفسي.
وتؤكد أن الاندماج في داريا يحتاج وقتًا طويلًا، خاصة مع قلة عدد الطلاب العائدين، ما يجعلهم يشعرون بالاختلاف داخل الصف.
أبو عمر يشير إلى أن ابنته في البكالوريا أظهرت علامات ضغط واضحة في الأسابيع الأولى، فيما عبر أبناؤه عن رغبتهم في العودة إلى تركيا، ليس فقط بسبب صعوبة المنهاج، بل أيضًا بسبب الفارق في البيئة المدرسية والخدمات.
في المقابل، يقدم أحمد أبو اللبن تجربة مختلفة.
عاد أحمد من مصر قبل نحو عام، وسجل ابنه في الصف الأول مجددًا بناءً على نصيحة مديرة المدرسة، رغم أنه كان قد أنهى الصف الثاني.
يرى الرجل أن القرار ساعد الطفل على الاندماج مع رفاق جدد. “تحسن سلوكه هنا، ومعلمته متابعة بشكل ممتاز”، يقول، معتبرًا أن تجربة ابنه كانت إيجابية.
ضغط الصفوف ونقص الكوادر
إلى جانب الفجوة التعليمية، يشير الأهالي إلى ضغط عددي واضح في بعض الصفوف.
يقول أبو عمر إن إحدى المدارس تضم تسع شعب للصف التاسع، في حين تعاني المرحلة الثانوية من نقص في الكوادر.
ويذكر أن معلمة غابت نحو 12 يومًا دون وجود بديل، ما أدى إلى تراكم دروس، ثم طُلب من الطلاب الحضور قبل الدوام بساعة والبقاء بعده بساعتين لتعويض الفاقد.
كما يتحدث عن مشكلات خدمية، منها سوء الحمامات وعدم توفر التدفئة بشكل منتظم.
“ابنتي في التاسع كان لديهم تدفئة في بعض الأيام، لكن التي تدرس في البكالوريا لم يتم تركيب مدفأة في صفهم لحد اللحظة”، يقول أبو عمر.
هيثم بدوره يقارن بين بيئة المدارس في تركيا وداريا من حيث النظافة والتنظيم والدفء، معتبرًا أن البيئة المدرسية تؤثر مباشرة في نفسية الطالب.
المدارس الخاصة.. خيار مرتفع الكلفة
مع صعوبة الاندماج في بعض المدارس العامة، فكر عدد من الأهالي باللجوء إلى المدارس الخاصة داخل داريا، غير أن الكلفة شكلت عائقًا أساسيًا.
تضم المدينة ثلاث مدارس خاصة هي “الإباء” و“البشائر” و“الرؤية الجديدة”.
وبحسب إفادات الأهالي، يبلغ قسط مدرسة “البشائر” نحو سبعة ملايين ليرة سورية سنويًا من الصف الأول حتى السادس، ويرتفع إلى تسعة ملايين للإعدادي، بينما يتراوح القسط في مدرسة “الإباء” بين ثمانية ملايين ليرة للصفوف الأولى واثني عشر مليونًا للإعدادي.
هيثم شريدي يقول إن القسط السنوي في المدارس الخاصة يتراوح عمومًا بين عشرة واثني عشر مليون ليرة، أي ما يقارب ألف دولار، وهو مبلغ يعتبره “فوق الاستطاعة” بالنسبة لعائلة عادت حديثًا ولم تستقر اقتصاديًا بعد، خاصة مع تكاليف المواصلات والالتزامات المعيشية الأخرى.
أما ندى فتؤكد أنها كانت تتمنى نقل بناتها إلى مدرسة خاصة لتفادي الفجوة التعليمية، لكنها لم تتمكن من تحمل التكاليف التي ستمتد لسنوات طويلة، واكتفت بتسجيل ابنتها في معهد خاص بعد الدوام لدعمها في سنة البكالوريا، معتبرة أن المرحلة “مصيرية” ولا تحتمل المجازفة.
أما أحمد أبو اللبن، الذي لم يحتج إلى مدرسة خاصة لابنه، يشير إلى أن أحد أصدقائه يدفع نحو عشرة ملايين ليرة سنويًا لتعليم ابنه في مدرسة خاصة، ما يعكس، بحسب الأهالي، أن هذا الخيار متاح نظريًا، لكنه عمليًا خارج قدرة معظم العائلات العائدة.
معادلة الشهادات ونقل القيود.. إرباك وتأخير
لم تقتصر صعوبات العودة على الصفوف، بل امتدت إلى الإجراءات الإدارية المرتبطة بمعادلة الشهادات ونقل القيود.
أبو عمر شريدي يقول إنه تنقل بين المدرسة ومديرية التربية ووزارة التربية لاستكمال معادلة شهادة الصف التاسع الصادرة عن مدرسة دولية خارج سوريا، رغم أن أوراق ابنته كانت مصدقة.
لاحقًا طُلب منه تصديق إضافي لشهادة الصف العاشر من وزارة الخارجية، ما أدى إلى تأخير تسجيلها للامتحان.
ابنة أبو عمر تعاني اليوم من صعوبة التسجيل في امتحان شهادة البكالوريا بانتظار انتهاء تصديق شهادتي التاسع والعاشر، مما يعرضها لخطر فقدان أحقيتها في التقديم للامتحان، مع قرب انتهاء المدة المسموحة.
“لو أبلغونا من بداية السنة بكل المتطلبات، ما تأخرنا كل هذا الوقت”، يقول، معتبرًا أن غياب التوضيح المبكر زاد الضغط على الأسرة.
تجربة مشابهة ترويها ردينة خولاني، أثناء تسجيل أولاد أخيها العائدين من تركيا.
في المرحلة الابتدائية والتاسع تم اعتماد “سبر معلومات” وصورة عن الجلاء التركي، ووضع الطلاب وفق مواليدهم.
لكن عند تسجيل إحدى الطالبات في الصف العاشر، طُلب جلاء تركي مصدق من السفارة التركية في دمشق.
تقول ردينة إن الحصول عليه استدعى مراجعات متكررة وانتظارًا طويلًا أمام السفارة منذ ساعات الفجر.
بعد ذلك، طُلبت ترجمة محلفة وتصديقات من العادلية ووزارة الخارجية، ثم موافقة المدرسة الثانوية وتصديق في مديرية التربية، مع منح “ورقة لا مانع” للدوام مؤقتًا.
بعد كل هذه الإجراءات، وضعت الطالبة في الصف الحادي عشر وداومت شهرين، قبل أن يطلب منها العودة إلى الصف العاشر بحجة ضرورة الالتزام بالتسلسل الدراسي وفق آخر صف درسته في تركيا، بغض النظر عن المواليد.
تقول ردينة إن التخبط في تفسير التعليمات أدى إلى هدر وقت وجهد، وخلق حالة إرباك إضافية للطلاب وأسرهم في مرحلة يفترض أن تكون انتقالًا مستقرًا.
الانتقال المفاجئ يكسر المستوى ويؤثر نفسيًا
تقول الآنسة سامة، معلمة ابتدائي في المدرسة المحدثة بداريا، إن الطلاب العائدين “متأثرون كثيرًا بالبيئات التي عاشوا فيها”، مشيرة إلى أن اختلاف اللهجة شكّل عائقًا أوليًا لدى بعضهم، إذ اضطروا لطلب إعادة الشرح بسبب صعوبة فهم العامية.
وتوضح أن الصعوبة لم تكن لغوية فقط، بل نفسية أيضًا، إذ أبدى عدد من الطلاب رغبة في العودة إلى المكان الذي عاشوا فيه ورفاقهم السابقين، ما خلق حالة من الانعزال في الأسابيع الأولى.
وتلفت إلى أن بعض الطلاب القادمين من مصر عادوا بعد انقطاع أو دون تأسيس كاف، نتيجة صعوبات سابقة في الالتحاق بالمدارس العامة، ما انعكس على مستواهم عند العودة.
وتستشهد بحالة طالب كان يجلس في زاوية الصف ولا يتقدم دراسيًا في البداية، قبل أن يتحسن تدريجيًا بعد شعوره بالأمان، ويصبح لاحقًا من المتفوقين، معتبرة أن الشهر الأول غالبًا ما يكون الأصعب.
وترى أن طلاب الصف الخامس واجهوا صعوبة أكبر في الاندماج مقارنة بالفئات الأصغر، وأن إنزال بعض الطلاب صفًا أو صفين فور وصولهم، وفق معايير لا تراعي مناهجهم السابقة، أدى إلى إحباط معنوي لدى بعضهم، خاصة ممن كانوا متفوقين سابقًا.
وتقترح تنظيم جلسات تهيئة نفسية ودروس تعويضية باللغة العربية قبل دمج الطلاب مباشرة في الصفوف، إضافة إلى تقييمهم وفق مستوى المناهج التي درسوها سابقًا، لتخفيف فجوة الانتقال.
عودة غير مكتملة
بين اختلاف المنهاج، وتبدل أساليب التدريس، وضغط الصفوف، وتعقيدات المعادلات، تبدو العودة التعليمية في داريا مرحلة انتقالية لم تستقر بعد.
بالنسبة لكثير من العائلات، لم تكن العودة مجرد استعادة عنوان سكن، بل اختبار جديد داخل الصفوف.
بعض الطلاب جلسوا في المقاعد الأخيرة يحاولون اللحاق بمنهاج لم يدرسوه من قبل، وآخرون انتقلوا بين صفوف بعد أشهر من الدوام بسبب اختلاف في تفسير التعليمات، فيما اضطر أهال إلى البحث عن دروس دعم لتفادي خسارة عام دراسي.