تحتفظ مدرسة النكاش الإعدادية في داريا بذاكرة تعليمية ارتبطت بأجيال من الطلاب والمدرسين، منذ تأسيسها عام 1978، بوصفها إحدى المدارس الأساسية في الحارة القبلية من المدينة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى معهد إعداد مدرسين.
ويروي المدير السابق للمدرسة، خالد عيروط، لعنب بلدي جانبًا من تاريخها، والمرحلة التي شهدت، بحسبه، تحسنًا ملحوظًا في مستوى المدرسة ونتائج طلابها في الشهادة الإعدادية على مستوى داريا.
مسيرة شخصية ومهنية
ولد خالد عيروط عام 1962، وتخرج من كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، في جامعة دمشق عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته في التعليم مدرسًا للغة الإنجليزية.
ولعيروط سبعة أبناء، ثلاثة شبان وأربع بنات. ابنه الأكبر مهندس معلوماتية، والثاني طبيب أسنان، والثالث يدرس هندسة الاتصالات، بينما درست ثلاث من بناته الرياضيات والفيزياء، وتدرس ابنته الصغرى الإرشاد النفسي.
من ثانوية الغوطة إلى إدارة النكاش
بدأ عيروط عمله في التعليم مدرسًا للغة الإنجليزية في ثانوية الغوطة الغربية، حيث أمضى نحو 12 عامًا، قبل أن يرشح لاستلام إدارة مدرسة النكاش الإعدادية في داريا.
وتأسست المدرسة عام 1978، وتعاقب على إدارتها أكثر من مدير، إلى أن تسلم عيروط إدارتها عام 2000.
كانت المدرسة إعدادية فقط، تضم الصفوف السابع والثامن والتاسع، وتقع قبل المحطة في منطقة السكة، في الجهة الغربية من داريا.
ويصف عيروط فترة إدارته بأنها كانت جيدة جدًا، إذ أصبحت المدرسة، خلال سنتين أو ثلاث سنوات، من أوائل مدارس داريا في نتائج الشهادة الإعدادية، وكان أوائل الصف التاسع على مستوى المدينة من طلابها.
مدرسة الحارة القبلية الوحيدة
اكتسبت النكاش أهمية خاصة لدى أهالي داريا لأنها كانت المدرسة الإعدادية الوحيدة في الحارة القبلية، ما جعل معظم الأهالي في تلك المنطقة يرسلون أبناءهم إليها حتى الصف التاسع.
هذا الموقع والدور جعلا الضغط على المدرسة كبيرًا، خصوصًا أن عدد شعبها كان محدودًا، إذ ضمت 15 شعبة، ووصل عدد الطلاب في بعض الشعب إلى 45 طالبًا.
ورغم أن مدارس إعدادية أخرى أنشئت في سنوات لاحقة، بقيت النكاش، بحسب عيروط، مدرسة أساسية وركيزة في المنطقة، وخرجت العديد من الطلاب الأوائل على مستوى داريا.
كادر تدريسي وعلاقة قائمة على المحبة
بعد تسلمه الإدارة، تعمق عيروط في شؤون المدرسة، من أمانة السر إلى المدرسين، وتحولت علاقته مع الكادر التدريسي إلى علاقة “أخوة ومحبة”، ولم تكن هناك مشكلات داخل الهيئة التعليمية.
ويقول إن إدارة المدرسة حاولت رفع مستواها عبر استقطاب مدرسين جيدين وأكفاء، فتحولت إلى مدرسة نشطة، تضم مدرسين متميزين وطلابًا مجتهدين.
ومن بين المدرسين الذين عملوا فيها، يذكر عيروط الأستاذ خليل فندي، والاستاذ محروس الدباس، الذي كان مديرًا قبله، والأستاذ عبد القادر العبار، مدرس التاريخ والجغرافيا.
كما يشير إلى مرحلة مهمة في تاريخ المدرسة، تحسنت فيها كثيرًا مع قدوم مدرسين متميزين، بينهم الأستاذ جمال الأقدر، اختصاص اجتماعيات، الذي ما يزال، بحسب عيروط، من المدرسين المتميزين في داريا، والأستاذ عمر طحان، مدرس العلوم، وأستاذ رياضيات جيد جدًا انتقل لاحقًا إلى الإمارات، وكانت نسبة النجاح في مادة الرياضيات تتجاوز 80%. أما هو فكان يدرس اللغة الإنجليزية، وكان الطلاب “مرتاحين معه”.
تفوق في التاسع ونسب نجاح مرتفعة
كان التفوق أبرز ما يميز مدرسة النكاش في تلك المرحلة، بحسب عيروط، إذ كان الطالب الأول على داريا في الصف التاسع غالبًا من المدرسة، وكانت نسبة النجاح تتجاوز 80%.
ويرى أن مستوى الطلاب كان متفاوتًا بين الجيد جدًا والمتوسط، لكن نسبة الطلاب الممتازين كانت تتجاوز 70%.
ومع ازدياد الإقبال على المدرسة، اضطرت الإدارة إلى إضافة شعبة جديدة، بعد أن ازداد عدد الطلاب كثيرًا، وكان معظم أهالي داريا يرسلون أبناءهم إليها.
ولتخفيف الضغط، استغنت الإدارة عن غرفة المدرسين وحولتها إلى صف، ونقلت غرفة المدرسين إلى أمانة السر، لتصبح الشعبة الجديدة مخصصة ومميزة للصف التاسع.
مرافق وصيانة وباحتان للطلاب
شهدت المدرسة، قبل ذلك، أعمال صيانة نفذتها إحدى الشركات، شملت إنشاء مرافق جديدة ومد مشارب مياه مخصصة للطلاب، بدل شربهم مباشرة من “الحنفية”.
وكانت للمدرسة باحتان، خارجية وداخلية، تطلان على المدارس المجاورة، بينها المدرسة التجارية والمدرسة الخامسة، ما وفر مساحة للطلاب للعب والحركة.
وفي الحياة اليومية، كان عيروط يصل إلى المدرسة قبل الدوام بنحو نصف ساعة، وكان “الآذن” يسبقه رغم أنه من خارج داريا، ليجهز المدرسة وينظف الباحات.
وكان المدير يستقبل الطلاب وينظمهم ويتجول بينهم لمتابعة مشكلاتهم.
ويصف العلاقة بين الطلاب والإدارة والمدرسين بأنها كانت قائمة على المحبة.
رياضة ومسابقات وعلاقة مفتوحة مع الأهالي
لم تقتصر حياة المدرسة على الدروس، إذ شهدت أنشطة كثيرة، بينها الألعاب الرياضية.
وكان أستاذ الرياضة يستفيد من الباحتين، فيقسم الطلاب إلى مجموعتين بين الباحة الداخلية والخارجية، مستخدمًا أدوات رياضية كاملة.
وكانت المدرسة تشارك في مباريات تنظم كل شهرين على مستوى داريا، خصوصًا في كرة القدم، إلى جانب كرة الطائرة، بينما لم يكن فريق كرة السلة جاهزًا بشكل كاف.
ونشأ تنافس بين طلاب النكاش والمدارس الأخرى، وكانت بعض المدارس تأتي إلى النكاش لإقامة المباريات في باحتها الخارجية، التي كانت تضم ساريتين، وكانت تقام خلالها احتفالات وتوزع هدايا.
أما علاقة الأهالي بالمدرسة، فكانت جيدة، إذ خصص يومان أسبوعيًا لاستقبال أولياء الأمور، بينما كانت المشكلات الطارئة تحل فورًا. كما كانت المدرسة تنظم مسابقات بين فترة وأخرى، وتمنح الفريق الفائز هدايا مادية ومالية.
وكانت أبرز الصعوبات التي واجهت إدارة المدرسة لاحقًا، وفق عيروط، ضيق الباحة بعد أن كانت كبيرة في البداية، ثم تقاسمتها أكثر من مدرسة، ما جعل نصيب النكاش ربع الباحة تقريبًا.
هذا الأمر ضغط على الطلاب، فاضطرت الإدارة إلى نقل جزء منهم إلى الباحة الخارجية عند الباب الخارجي، لتخفيف الضغط عن الباحة الداخلية وعن المدارس الأخرى، ومنع انتقال الكرة إلى ساحاتها.
إلغاء الضرب وتعزيز التعامل الودي
يرى عيروط أن الجيل الذي درس في المدرسة خلال فترة إدارته ما يزال يحمل احترامًا وتقديرًا لها، وأنها أثرت فيهم من ناحية التعليم والأخلاق.
ويؤكد أن المدرسة اعتمدت تعاملًا أخلاقيًا مع الطلاب، وأن الضرب ألغي منذ زمن، وكان التعامل وديًا لا نديًا، بوجود مدرسين وموجهين تربويين حرصوا على العلاقة التربوية مع الطلاب.
ومن الذكريات التي بقيت في ذهنه، موقف مع أستاذ اللغة العربية خليل فندي، الذي كان يغضب أحيانًا من الطلاب.
وفي أحد الأيام استدعاه عيروط إلى مكتبه وطلب منه مزيدًا من الهدوء وعدم العصبية، فغضب الأستاذ ورفع صوته عليه، فاكتفى عيروط بالرد: “طول بالك!”.
من مدرسة إلى معهد
خلال فترة الحرب، توقفت المدرسة، ثم تحولت عام 2012، أو بعده، إلى معهد إعداد مدرسين، وبذلك لم تعد مدرسة إعدادية كما كانت.
ويقول عيروط إنه لا يملك صورًا من تاريخ المدرسة، لكنه يتمنى أن يعرف الجيل الحالي أنها تحولت إلى معهد، وأن يتذكر أثرها في الأجيال التي درست فيها.
مر على المدرسة طلاب كثيرون أصبحوا لاحقًا من الكفاءات، بينهم مهندسون وأطباء ومدرسون، وكثير منهم يلتقون عيروط اليوم ويتذكرون الأيام التي كانوا فيها طلابًا عنده.
وبعد تقاعده، لم يبتعد الأستاذ خالد عيروط عن الحركة والعمل، إذ يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في حديقة منزله، حيث يعتني بالأشجار والنباتات، وفي قطعة أرض زرعها بأشجار مثمرة ونباتات ربيعية، ويزرع فيها أحيانًا الشعير أو القمح.
ويقول عيروط لعنب بلدي إن الإنسان بعد التقاعد يحتاج إلى البقاء نشطًا، لأن الجلوس دون عمل صعب على من اعتاد العمل، مضيفًا أن الأرض لا ينبغي تركها، لذلك يتنقل يومه بين الحديقة والأرض والبيت، مع الأولاد والأحفاد.