خمس سنوات فوق صاروخ مدفون.. مخلفات الحرب تخرج من تحت منازل داريا

الدفاع المدني يطوق موقع العثور على ذخيرة غير منفجرة في داريا - 16 حزيران 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

لم يكن زيد مطر يعرف أن الصالون الذي رممه وسكنه مع عائلته لخمس سنوات يخفي تحت أرضيته ذخيرة غير منفجرة مدفونة منذ سنوات.

عند عودته إلى منزله المقابل لمدرسة داريا المحدثة للبنين الغربية (مدرسة المحطة) بعد فترة من النزوح، وجد حفرة كبيرة في أرضية الصالون، لكنه لم يعرف سببها، فردمها وبلط الأرض وأصلح المنزل، قبل أن تكشف أعمال إعادة الإعمار لاحقًا وجود ذخائر غير منفجرة تحت أرضيته.

لا تبدو حالة مطر الوحيدة في داريا، إذ ما تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة تظهر داخل منازل وآبار وأنفاق وأراضٍ مهجورة، مع توسع أعمال إعادة الإعمار وعودة السكان إلى ترميم منازلهم. وبين من يكتشفها مصادفة، ومن يتعامل معها بنفسه اعتقادًا بأنها لن تنفجر، أو لأنه لا يدرك ماهيتها، تتجدد المخاطر التي خلفتها سنوات الحرب.

ورصدت عنب بلدي خلال إعداد هذا التقرير عدة مواقع عثر فيها على ذخائر أو ألغام أو أجسام متفجرة، بعضها داخل منازل مأهولة، وأخرى في آبار أو أنفاق، فيما تظهر صور التقطها المراسل أجسامًا معدنية مدفونة جزئيًا وحفرًا طوقها الدفاع المدني بأشرطة تحذيرية.

خمس سنوات فوق صاروخ مدفون

بعد سنوات من السكن في المنزل، عهد زيد مطر بالعقار إلى أحد متعهدي البناء لإعادة تأهيله، ليتلقى لاحقًا اتصالًا من المتعهد أرسل خلاله صورة الذخيرة، وأبلغه بأن العمال عثروا عليها داخل العقار أثناء عملية الحفر.

وقال مطر لعنب بلدي إن الأمر كان مخيفًا جدًا، إذ كان العمال يحفرون باستخدام “تركس”، ويعتقد أن الجرافة اصطدمت بالذخيرة أكثر من مرة.

وأضاف: “لو كانت ستنفجر لانفجرت حينها”.

وأشار إلى أنهم أبلغوا الدفاع المدني، فأخبروهم بأنهم سيأتون إلى المكان، مضيفًا: “الله ستر سائق التركس”.

وأوضح مطر أن المتعهد أزال الذخيرة وتركها بالقرب من موقع الحفر، لأنه بدا له أنها لن تنفجر، مؤكدًا أن “الموضوع ليس لعبة”.

وأضاف: “لم أكن أعرف ما الموجود في المنزل. وجدنا الصالون مدمرًا عندما عدنا، فنظفناه وفرشنا الحفر بالحصى وضربنا المكان بالمهدة مرتين، ولم ينفجر شيء حينها، ولم نكن نعرف أين كانت الذخيرة”.

صاروخ عنقودي حركه بيده

في منزل آخر، لم يدرك نسيب قديمي خطورة ما وجده عندما عاد إلى داريا بعد سنوات من الغياب.

وقال إنه عثر على صاروخ عنقودي يبدو أنه موجود في المكان منذ 11 عامًا.

وأضاف: “هززته في مكانه لأنني لم أكن أعرف أنه صاروخ، وحفرت الأرض حوله، ثم علمت أنه صاروخ، فخفت من إكمال العمل وتركته”.

وأوضح أنه لا يعلم إذا كان الصاروخ منفجرًا أم غير منفجر، مشيرًا إلى أنهم اتصلوا بالدفاع المدني لفحصه.

وتعكس قصة قديمي جانبًا آخر من المشكلة، إذ يعثر بعض السكان على ذخائر أو ألغام من دون أن يعرفوا ماهيتها، ما يدفعهم أحيانًا إلى تحريكها أو لمسها قبل إبلاغ الجهات المختصة.

عبوة متآكلة و”مدفع جهنم” داخل بئر

أما محمد خير سمحة، صاحب منزل في منطقة أرض المراح قرب جامع أبو بكر الصديق، فقال إنهم أبلغوا الدفاع المدني عدة مرات بعد العثور على ذخيرة داخل منزلهم، لكن أحدًا لم يحضر.

وأضاف: “خفنا أن ينفجر اللغم بنا، فأزلناه ووضعناه في مكان بعيد عنا”.

وأوضح أنهم عادوا إلى منزلهم عام 2020، وكانت الذخيرة موجودة داخل البئر ولم يكتشفوها إلا قبل شهرين، عندما حاولوا تنظيف البئر لإعادة تأهيله.

وقال: “اتصلنا بالدفاع المدني، فحولونا إلى المخفر، وقالوا إن الأمر ليس من اختصاصهم وإنهم سيتابعونه. سألونا إن قمنا بتحريكها، فأجبنا نعم، ثم طلبوا منا تحريكها وإخراجها، فقلنا إننا حركناها، ومع ذلك طلبوا منا إخراجها”.

وأضاف أنهم اكتشفوا بعد إخراجها أن العبوة كانت متآكلة بسبب المياه، كما وجدوا بقربها جرة تعود لما يعرف باسم “مدفع جهنم”.

وأشار سمحة إلى أنه راجع الدفاع المدني أكثر من مرة، لكن أحدًا لم يأتِ إلى الموقع.

وقال: “عندما حاولنا تركيب موتور ضخ المياه من البئر، أخرجنا العبوة من مكانها خوفًا من انفجارها، ووضعناها خارج المنزل من الساعة العاشرة والنصف مساء حتى الخامسة صباحًا”.

وأضاف أن شخصًا سرقها لاحقًا، مرجحًا أنه كان يعرف ماهيتها، لأنه لا يوجد عادة باعة حديد أو خردة في ذلك الوقت المتأخر.

وأكد أن لديه صورة لها، وأرسلها إلى الدفاع المدني لإثبات وجودها، لكنه لا يعلم من أخذها من أمام باب المنزل.

أطفال يدخلون نفقًا ويعثرون على ألغام

وقال محمد زعاويط إن أطفالًا كانوا يلعبون في أحد أحياء المدينة، ضمن محضر بناء محفور قرب منزله، وأخبروه أنهم وجدوا أجسامًا تبدو أنها ألغام داخل القبو.

وأضاف أنهم أبلغوا الدفاع المدني، موضحًا أن الألغام لم تكن تحتوي على أسلاك ظاهرة، وأنهم اعتقدوا أنها قد تكون لا سلكية.

وأشار إلى أنهم لم يعرفوا منذ متى كانت الألغام موجودة في الأرض، وأنهم اكتشفوها بعد سقوط النظام السابق.

وقال زعاويط إنهم كانوا يعلمون بوجود نفق في الموقع، لكن الأطفال دخلوا إليه للعب وعثروا على الألغام.

وأضاف أن عناصر الدفاع المدني حضروا إلى المكان، واستخرجوا الألغام، ثم نظفوا الموقع وأمنوه قبل مغادرته.

بلاغات متكررة وتحذير من الاقتراب

وقال خالد نجم، مدير مركز الدفاع المدني في داريا، إن المركز يتلقى بلاغات من عدة مصادر حول وجود ألغام أو ذخائر في المدينة، بينها مدنيون وإعلاميون وأشخاص فاعلون في المجتمع، إضافة إلى المخفر والبلدية والجهات الحكومية، وأحيانًا من المجمع التربوي إذا كانت الذخائر موجودة داخل المؤسسات التعليمية.

وأضاف أن فريق الدفاع المدني في مركز داريا يستجيب فور تلقي البلاغ، ويجري كشفًا على الموقع، ثم يضع أشرطة تحذيرية لمنع المدنيين من الاقتراب منه، نظرًا إلى ارتفاع مستوى الخطورة.

وأوضح أنه يجري، بالتوازي مع ذلك، التنسيق مع الجهات المختصة، سواء مركز إزالة الذخائر التابع لوزارة الطوارئ أو فرق الهندسة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، للاستجابة إلى الموقع بحسب الإمكانات المتاحة لديها وإزالة الخطر.

ومع استمرار أعمال الترميم وعودة السكان إلى منازلهم، لا تزال مخلفات الحرب تظهر في أماكن لم يتوقعها كثيرون، لتتحول أعمال حفر أو تنظيف أو إعادة تأهيل إلى لحظات مواجهة مباشرة مع ألغام وذخائر بقيت مدفونة لسنوات، ولم تفقد قدرتها على تهديد حياة من يعثر عليها.

مقالات ذات صلة

توسعة درب الحديد تكشف نفقًا من سنوات حصار داريا

وفاة شاب وإصابة فتى بانفجار داخل مدرسة التمريض في داريا

طرق مكشوطة في داريا تنتظر التزفيت.. سائقون يشكون زيادة أعطال مركباتهم