عرضت محافظة ريف دمشق على مالكي العقارات في منطقة الخليج بمدينة داريا اليوم، الاثنين 21 من أيلول، مشروعًا لإعادة تنظيم المنطقة المهدمة وبنائها وفق مخطط يتضمن أبراجًا سكنية وحدائق ومدارس ومستوصفات، مقابل حصول المالكين على حصص من المساحات المبنية تختلف بحسب تصنيف العقار ووضعه قبل عام 2012.
ويمثل العرض خطوة جديدة في ملف ظل معلقًا لسنوات، إذ طلبت المحافظة الحصول على تفويضات من نسبة تتراوح بين 70 و75% من المالكين قبل الانتقال إلى التنفيذ، وفق ما قاله المهندس بيان مهرة، من مكتب الاستثمار في محافظة ريف دمشق، لعنب بلدي.
وبينما رأى مالكون تحدثوا إلى عنب بلدي أن المشروع يتيح لهم استعادة جزء من حقوقهم والعودة إلى المنطقة بعد سنوات من النزوح، تحفظ آخرون على نسب الحصص المعروضة، خصوصًا لأصحاب الملكيات الصغيرة، وطالبوا قبل منح التفويض بمعرفة مواصفات البناء ومدة التنفيذ والضمانات في حال تعثر المستثمر، إضافة إلى مصير تكاليف السكن خلال سنوات الانتظار.
عرض أولي قبل التنفيذ
قال المهندس بيان مهرة إن المحافظة أعدت المشروع بالتعاون مع إدارة المنطقة ومجلس مدينة داريا وفعاليات محلية، وإن الاجتماع مع أصحاب العقارات خُصص لعرض التصور المقترح ونسب الحصص ومناقشتهما مع المالكين.
وأوضح أن ما عرض لا يعني إقرار المشروع بصورته النهائية أو بدء تنفيذه، إذ ما تزال المحافظة في مرحلة النقاش وجمع التفويضات.
وبحسب مهرة، تحتاج المحافظة إلى تفويضات من نحو 70 إلى 75% من مجموع المالكين قبل الانتقال إلى التنفيذ على الأرض.
وتبلغ مساحة المنطقة التي يشملها المشروع نحو 1700 دونم، وفق ما قاله رئيس مجلس مدينة داريا، رائد عبيد، لعنب بلدي، وتشمل عقارات في داريا إلى جانب جزء محدود من عقارات المعضمية غير المستملكة.
وقال مهرة إن المحافظة وضعت المنطقة ضمن أولوياتها بسبب حجم الدمار الذي لحق بها وخروج سكانها منها منذ عام 2012، وإن التصور المطروح لا يقتصر على إعادة الأبنية السكنية، بل يشمل إعادة تنظيم المنطقة وتأمين الخدمات والمرافق فيها.
كم يحصل المالك؟
تختلف الحصة التي يحصل عليها صاحب العقار، بحسب عبيد، وفق تصنيف ملكيته ووضعها قبل عام 2012.
وقال لعنب بلدي إن مالك العقار الواقع ضمن المنطقة المنظمة يحصل، وفق العرض الحالي، على مساحة مبنية تعادل 50% من مساحة ملكيته، وتسلم إليه جاهزة.
أما إذا كان على العقار بناء قائم قبل عام 2012، فتضاف إلى حصته نسبة تقارب 10%، لتصل إلى نحو 60%، في حين تبلغ حصة العقارات الواقعة في المنطقة الزراعية غير المنظمة 40%.
وضرب عبيد مثالًا بمالك لديه ألف متر مربع في المنطقة المنظمة، موضحًا أنه سيحصل وفق العرض على نحو 500 متر مربع من البناء.
لكن مقابلات عنب بلدي مع مالكين عقب الاجتماع أظهرت تفاوتًا في فهم طريقة احتساب الحصص، إذ تحدث بعضهم عن نسب قد تصل إلى 60 أو 70% بالنسبة إلى العقارات التي كانت مبنية.
ويجعل هذا التفاوت توضيح آلية احتساب الحصة لكل عقار إحدى النقاط التي ما تزال تحتاج إلى شرح تفصيلي للمالكين قبل منح التفويض.
فرصة للعودة.. لكن الحصة قد لا تكفي
ينظر بشير شعيب، عضو لجنة أهالي الخليج، بإيجابية إلى فكرة إعادة تنظيم المنطقة، لكنه يتحفظ على أثر النسب المقترحة في أصحاب الملكيات الصغيرة.
وقال لعنب بلدي إن المشروع يمكن أن يحسن وضع الخليج وداريا عمومًا بما يتضمنه من مساكن وشوارع وحدائق ومدارس ومستوصفات، لكن المشكلة، بحسب رأيه، تظهر عندما تطبق النسب على منزل أقيم أساسًا على قطعة أرض صغيرة.
وأضاف أن عددًا من المنازل في المنطقة كان قائمًا على ملكيات محدودة المساحة، ولذلك قد يحصل أصحابها بعد التنظيم على مساحات لا تكفي لسكن عائلاتهم، ما قد يدفع بعضهم إلى بيع حصته والبحث عن منزل في مكان آخر.
أما محمد ديب المنجد، أحد أصحاب العقارات في الخليج، فقال إن موقفه من المشروع يرتبط بما عاشته عائلته خلال السنوات الماضية، إذ وصل في مرحلة سابقة إلى الاعتقاد بأنها قد لا تستعيد شيئًا من ملكيتها.
لذلك ينظر المنجد إلى العرض الحالي بوصفه فرصة لاستعادة جزء من العقار، ويرى أن اقتطاع جزء من المساحة يمكن فهمه إذا كان سيخصص للشوارع والمدارس والمستوصفات والحدائق التي سيستفيد منها سكان المنطقة لاحقًا.
وقال إنه يشجع المالكين على دراسة المشروع والموافقة عليه إذا كانت تفاصيله مناسبة لهم، مضيفًا: «ما عم قول يوافقوا على بياض، بس يوافقوا على شيء يعطي نتيجة».
ووصف إسماعيل المنجد وشقيقه عدنان المشروع بأنه «جيد، وليس جيدًا جدًا»، وقالا إن إشراك المالكين في مناقشته أفضل من فرض مخطط عليهم من دون أخذ رأيهم، لكنهما تحفظا أيضًا على مقدار الحصة التي ستبقى لأصحاب العقارات الصغيرة.
مئة متر ليست كعشرات الدونمات
كانت الملكيات الصغيرة من أكثر النقاط حضورًا في اعتراضات أصحاب العقارات الذين تحدثت إليهم عنب بلدي.
وقال إسماعيل المنجد إن تطبيق نسبة واحدة على الجميع لا يعطي النتيجة نفسها عمليًا، إذ يختلف اقتطاع 30 أو 40% من عقار مساحته 100 متر مربع عن تطبيق النسبة ذاتها على ملكية تمتد على عدة دونمات.
فصاحب العقار الصغير، بحسب المنجد، قد ينتهي إلى حصة سكنية تتراوح مساحتها بين 60 و70 مترًا مربعًا، بينما يبقى لدى صاحب الأرض الكبيرة مقدار واسع من البناء بعد الاقتطاع.
وطرح فراس الدباس الاعتراض نفسه، وقال إن مالك 100 متر مربع قد يحصل، وفق فهمه للعرض، على 60 مترًا إذا كان عقاره مبنيًا، أو 40 مترًا إذا كان مصنفًا أرضًا غير مبنية.
ويرى الدباس أن هذه المساحة قد لا تكون كافية للسكن، وهو ما قد يضع المالك أمام خيار بيع حصته بدل العودة إلى المنطقة.
وقال إنه يفضل أن تكون الأولوية لتعويض صاحب الحق بمساحة سكنية قريبة قدر الإمكان من مساحة ملكيته، بدل الاعتماد على تقييم مالي للمتر.
وتحدث الدباس عن طرح قيمة تقدر بنحو 1400 دولار للمتر المربع خلال الاجتماع، متسائلًا عن الأساس الذي استند إليه هذا التقييم قبل تنفيذ المشروع ومعرفة القيمة التي ستصل إليها العقارات عند اكتماله.
وبرأيه، فإن ضمان المساحة السكنية للمالكين أهم من الرهان على السعر المستقلي، معتبرًا أن قيمة المتر قد تتغير خلال السنوات التي يحتاج إليها تنفيذ المشروع.
ولم يرد في إفادتي مهرة وعبيد لعنب بلدي تأكيد لقيمة 1400 دولار للمتر أو شرح لآلية استخدامها، ولذلك تبقى هذه القيمة ضمن ما نقله المالكون عن الاجتماع.
الدباس يرفض التفويض قبل معرفة الشروط
لم يمنح فراس الدباس تفويضه خلال الاجتماع، وربط الموافقة بالحصول على تفاصيل مكتوبة عن المشروع قبل التوقيع.
وقال إن المالكين يحتاجون إلى الاطلاع على مخططات تفصيلية ودفتر شروط يحدد مواصفات البناء والإكساء والعزل والمواد التي ستستخدم، بدل الاكتفاء بوصف الشقق بأنها ستسلم جاهزة أو بإكساء «ديلوكس».
ويخشى الدباس، في حال توزيع الأبراج على عدة مستثمرين، أن تختلف جودة التنفيذ والإكساء بين بناء وآخر إذا لم توجد مواصفات موحدة تلزم جميع الجهات المنفذة.
كما طالب بمعرفة الجهة التي ستضمن حق المالك إذا بدأ المستثمر العمل ثم تعثر أو توقف عن تنفيذ المشروع، وما إذا كانت هناك آلية لاستكمال البناء أو تعويض أصحاب الحقوق في هذه الحالة.
وتشمل مطالبه أيضًا وضع جدول زمني واضح للتنفيذ والتسليم، وتحديد ما يترتب على الجهة المنفذة إذا تجاوزت المدد المتفق عليها.
من يدفع الإيجار خلال سنوات البناء؟
يطرح طول مدة التنفيذ مشكلة أخرى بالنسبة إلى مالكين لا يستطيعون العودة حاليًا إلى المنطقة ويعيش بعضهم في مساكن مستأجرة.
وقال الدباس إن العرض، وفق ما فهمه خلال الاجتماع، لم يتضمن بدل إيجار للمالك خلال الفترة الممتدة بين بدء المشروع وتسلمه المساحة المخصصة له، متسائلًا عن قدرة العائلات على تحمل الإيجار إذا استمر التنفيذ سنوات.
وتباينت المدد التي نقلها المالكون بعد الاجتماع، إذ تحدث بعضهم عن إمكانية بدء تسليم الأعمال للمستثمرين خلال أشهر، وعن تسليم أبراج أولى بعد نحو عام وثمانية أشهر، في حين أشاروا إلى أن اكتمال المشروع كله قد يحتاج إلى خمس سنوات أو أكثر.
لكن مهرة وعبيد لم يحددا في حديثهما لعنب بلدي موعدًا نهائيًا لبدء التنفيذ أو جدولًا ملزمًا لتسليم الأبراج، ما يجعل المدة الفعلية للمشروع من التفاصيل التي لم تتضح بعد.
من انتظار القرار إلى مناقشة الحصص
ظل مصير الخليج خلال الأشهر الماضية مرتبطًا بصدور القرار التنظيمي وتحديد الآلية التي ستعتمد لإعادة إعمار المنطقة.
وكانت لجنة شكلها أصحاب العقارات قد اجتمعت مع بلدية داريا نهاية حزيران الماضي، وطالبت بحسم مستقبل المنطقة، سواء بتنظيمها أو السماح للأهالي بإعادة بناء عقاراتهم، بينما قالت البلدية حينها إن أعمال توثيق الملكيات أُنجز جزء منها وإن المحافظة استعانت بشركات لإعداد تصورات تنظيمية، من دون إعلان مخطط نهائي في ذلك الوقت.
وكان عبيد قد أشار في نيسان إلى أن المحافظة تتجه إلى تنظيم منطقة الخليج وفق نظام جديد، بالتزامن مع دراسة البلدية توسيع التنظيم في المنطقة المقابلة لها عند مدخل داريا.
ويضع العرض الذي قدم اليوم أمام المالكين للمرة الأولى تفاصيل أكثر تحديدًا حول شكل المشروع والحصص المقترحة، لكنه ينقل النقاش أيضًا من سؤال مصير المنطقة إلى أسئلة تتعلق بما سيحصل عليه كل مالك، ومتى سيتسلمه، وما الضمانات التي تحمي حقه خلال التنفيذ.
محطة صرف وطرق ضمن المشروع
لا تقتصر التصورات المرتبطة بالمشروع على الأبراج السكنية والمرافق الموجودة داخل حدود الخليج.
وقال عبيد إن المشروع يتضمن إعادة تأهيل محطة معالجة الصرف الصحي التي تخدم داريا، وقدر الكلفة التي تحتاج إليها بنحو 20 مليون دولار، إضافة إلى إنشاء عقدة طرقية تربط المنطقة بالمتحلق وتحسن الوصول إلى المدينة.
وأضاف أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم يمكن أن يوفر أعمالًا لأصحاب المهن في داريا، كما سيدفع البلدية، بحسب قوله، إلى العمل على تحسين المنطقة المقابلة للخليج وتوسعة طرقها بما يتناسب مع التنظيم الجديد.
وكان عبيد قد تحدث سابقًا لعنب بلدي عن مقترح لتطوير المنطقة المقابلة للخليج، معتبرًا أن موقعها عند مدخل داريا يجعل من الضروري معالجة التفاوت العمراني بينها وبين المشروع الجديد.
ولا يزال المشروع، بحسب ما عرضه مسؤولو المحافظة والبلدية، في مرحلة النقاش وجمع التفويضات، ولم تبدأ أعمال التنفيذ بعد.
وبالنسبة إلى المالكين الذين تحفظوا على التوقيع، لا يتعلق القرار بفكرة إعادة إعمار الخليج وحدها، بل بالتفاصيل التي ستحدد قيمة ما سيعود إليهم فعليًا في حال تنفيذ المشروع، مثل مساحة البناء، ومواصفاته، وموعد التسليم، وما يحدث إذا تأخر المشروع أو تعثر المستثمر.