تحضر أكلات داريا التراثية في ذاكرة أميرة شريدي بوصفها جزءًا من حياة اجتماعية قديمة، لا مجرد وصفات طعام، إذ كانت النساء يجتمعن لإعداد المونة وتقاسم الأطباق بين البيوت، في طقس يومي جمع العمل والتعاون واللمة العائلية.
كانت رائحة الكشك والمغربية والفطاير تخرج من البيوت القديمة، وترافقها أحاديث النساء وضحكاتهن خلال العمل على الأسطح أو قرب الصاج ومدفأة المازوت، لتتحول الأكلات الشعبية إلى ذاكرة تحفظ ملامح من حياة داريا قبل تبدل العادات وتراجع كثير من طقوسها.
تقول أميرة شريدي، وهي سيدة في السبعين من عمرها، لعنب بلدي إن نساء داريا كنّ معروفات بالنشاط والتعاون، إذ لا ينتهي يومهن عند أعمال المنزل وتحضير الطعام ورعاية العائلة، بل يمتد إلى إعداد المونة الشتوية، وفي مقدمتها الكشك.
وتصف أميرة نساء داريا بأنهن كنّ “مثل النحل”، بسبب كثرة العمل وسرعتهن في إنجازه، مشيرة إلى أن تحضير الكشك لم يكن عملًا فرديًا، بل مناسبة تجمع الجارات والقريبات، خصوصًا أن مراحله طويلة وتحتاج إلى أكثر من يد.
وبحسب أميرة، كانت النساء يدعون بعضهن للمساعدة في تحضير الكشك، ثم يتقاسمن المونة في نهاية العمل، حتى إن الجارة التي لا تستطيع المشاركة كانت تحصل على حصتها من دون تردد.
الكشك.. من اللبن إلى الأسطح
يبدأ تحضير الكشك، وفق أميرة، بين شهري آب وأيلول من كل عام، مع اقتراب نهاية الصيف، حين يروب الحليب أولًا ليصبح لبنًا، ثم يترك إلى اليوم التالي.
في الوقت نفسه، تنظف النساء البرغل وتغسله للتخلص من القش والحصى، ثم ينقعنه بالماء الدافئ حتى يلين. بعد ذلك يوضع البرغل داخل “ملحفة”، ويسكب فوقه الماء الساخن، ثم يغطى حتى العصر، قبل فركه وتجهيزه لليوم التالي.
تخلط كمية البرغل باللبن والملح، وتغطى مع وضع ثقل فوقها. ومن هذه المرحلة تؤخذ “الكشكة الخضرا”، وهي خليط من البرغل واللبن يحفظ في المطربانات مع طبقة زيت على الوجه.
أما الكمية المتبقية، فتنشر على أسطح المنازل حتى تجف تمامًا، ثم يتم فركها يدويًا، أو ترسل إلى المطحنة، لتصبح كشكًا ناعمًا، وتحفظ ليتم استخدامها في أكلات الشتاء.
الكشكة الخضرا (خليط البرغل واللبن قبل التجفيف)
أكلات الشتاء ووجوه الجيران
لا يقتصر حضور الكشك على كونه مونة محفوظة، إذ يدخل في أكلات شتوية عرفتها بيوت داريا، منها “كشك مطبخ”، الذي يؤكل عادة إلى جانبه البصل المشوي على مدفأة المازوت، أو الفجل المزروع في حدائق المنازل.
وتذكر أميرة أيضًا أكلة “كشك بططناج”، وتشبه “الحراق بإصبعه” مع إضافة السلق، وكانت النساء يرسلن أطباقًا منها إلى الجارات، في عادة تعزز تبادل الطعام بين البيوت.
ومن الأكلات المرتبطة بالبرغل أيضًا “التتبيلة”، أو ما يعرف لدى بعض الأهالي باسم “السف”، وهي برغل مطبوخ بالحليب أو القشطة. وقد يضاف إليها “الإدام”، وهو اللحم المطبوخ والمحفوظ، أو اللحم الطازج، بينما يكتفي آخرون بالحليب فقط، مع وضع الملفوف المسلوق فوق الطبق.
وتصف شريدي هذه الأكلة بأنها من “أكلات النسوان”، لأنها كانت تحضر غالبًا لجمعات النساء، مضيفة أن “نكهتها تختلف بالجمعة”.
التتبيلة (برغل مطبوخ بالحليب أو القشطة) تقدم مع إضافات تقليدية مثل “الإدام” أو الملفوف
المغربية حول مدفأة المازوت
بين أكلات الشتاء التي بقيت عالقة في ذاكرة أميرة شريدي، تحضر “المغربية”، وهي أكلة تحضر من البرغل والطحين، ثم تفتل او تلف داخل وعاء كبير مع الماء والتوابل حتى تتحول إلى كرات صغيرة.
بعد ذلك تطهى المغربية على البخار، وتقدم إلى جانبها مرقة الدجاج الساخنة.
وتربط شريدي هذه الأكلة بذكريات الطفولة، حين كانت العائلة تجتمع في المساء حول مدفأة المازوت قرب والدها، معتبرة أن دفء تلك الجلسات لم يكن من المدفأة وحدها، بل من اجتماع العائلة حول الطعام.
المغربية المفتولة بكراتها الصغيرة تطهى على البخار وتقدم مع مرقة الدجاج
الفطاير والفرايك والعصاصير
في الحلويات، تتذكر أميرة شريدي “الفطاير بلف”، التي كانت تعدها مع أخواتها عندما يجلب والدهن القشطة إلى البيت.
وتحضر العجينة قبل يوم من الطحين والماء والزيت والحليب، مع رشة ملح وسكر وخميرة، ثم تحشى بالقشطة وزيت الزيتون والسكر، وتلف بشكل دائري وتشوى في الفرن، قبل تغميسها بالقطر.
أما “الفرايك”، فتشبه عجينتها عجينة “الفطاير بلف”، لكنها تأتي على شكل أقراص دائرية تشوى في الفرن على قالب خاص، أو أحيانًا على الصاج، وتؤكل مع القشطة والسكر أو من دونهما.
وتقول أميرة إنها كانت تحب تناولها صباحًا مع كأس شاي قبل الإفطار، برفقة والدها قبل ذهابه إلى العمل.
وعلى الصاج أيضًا، كانت العائلة تحضر “العصاصير”، وهي أرغفة ساخنة تفرك مباشرة بالسمنة البلدية والسكر حتى تذوب داخلها، وقد يضاف إليها الزيتون الأسود أو “الإدام”.
وتستعيد السيدة هذه الذكرى وهي تضحك، “إذ كانت حرارة الأرغفة تلسع الأيدي أحيانًا، لكن اللمة والضحك كانا يخففان تعب العمل.”
عصاصير السمنة والزيتون الأسود
فطاير مع عصاصير السمنة والزيتون الأسود
الفرايك أقراص عجين تشوى على الصاج أو في الفرن وتقدم مع القشطة والسكر
ذاكرة تحفظها النساء
تراجع كثير من هذه العادات مع تبدل الحياة، لكن أكلات داريا التراثية ما تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوا تفاصيلها داخل البيوت القديمة.
وفي رواية السيدة أميرة شريدي، لا تظهر المونة بوصفها طعامًا محفوظًا للشتاء فقط، بل كمساحة تعاون بين النساء، ووسيلة لتبادل الطعام، وحفظ علاقة البيوت ببعضها. ومن خلال الكشك والمغربية والفطاير، تبقى ذاكرة داريا مرتبطة بنكهات صنعتها النساء وحملتها اللمة من جيل إلى آخر.