بدأ تحسن التغذية الكهربائية في حيي النكاشات والشاميات بمدينة داريا يخفف اعتماد السكان وأصحاب المحال على مصادر الطاقة البديلة، بعدما فرضت سنوات الانقطاع على كثير منهم استخدام الأمبير أو ألواح الطاقة الشمسية لتأمين الإنارة وتشغيل الأجهزة المنزلية والبرادات.
ويقول سكان وأصحاب محال لعنب بلدي إن زيادة ساعات الوصل خلال الفترة الأخيرة خففت جزءًا من الأعباء المالية والمعيشية التي رافقت ضعف الكهرباء، وأتاحت لهم استخدام البرادات والأجهزة لفترات أطول، وتقليص ساعات تشغيل الأمبير.
لكن التحسن لا يزال متفاوتًا وغير مستقر، إذ تتكرر حالات انخفاض الجهد والانقطاع عند حدوث أعطال في المحولات أو خطوط التوتر، أو عند ازدياد الأحمال على الشبكة.
البراد يعود إلى الاستخدام اليومي
بالنسبة إلى روضة لطيفة، من سكان حي النكاشات، لم يقتصر أثر تحسن الكهرباء على زيادة ساعات الوصل، بل انعكس على تفاصيل تدبير المنزل وحفظ الطعام.
تقول روضة لعنب بلدي إن التغذية أصبحت أفضل مقارنة بالسنوات الماضية، رغم استمرار انخفاض الجهد الكهربائي أحيانًا عند زيادة الضغط على الشبكة، موضحة أن الكهرباء كانت تهبط في بعض الفترات إلى نحو 100 فولت.
وتلاحظ أن الأعطال أصبحت تُعالج خلال يوم أو يومين، لتعود التغذية بعدها إلى مستوى أفضل، في حين كانت الانقطاعات سابقًا تطول، من دون أن يعرف السكان موعد عودة التيار.
ودفعت سنوات الانقطاع روضة إلى تركيب لوح للطاقة الشمسية لتأمين الإنارة الأساسية داخل منزلها، لكنها بقيت غير قادرة على تشغيل الأجهزة التي تحتاج إلى استطاعة أكبر أو إلى تغذية مستمرة.
كما أثرت الكهرباء في قدرتها على إعداد المؤونة المنزلية، إذ تقول إنها توقفت منذ نحو 20 عامًا عن تجهيزها، بسبب صعوبة حفظ المواد الغذائية مع الانقطاع المتكرر وعدم وجود مصدر كهرباء مستقر.
وتوضح أن البراد الصغير الموجود في منزلها اقتصر استخدامه طوال تلك الفترة على تبريد المياه وحفظ وجبات بسيطة، بدل تخزين كميات من الطعام أو المؤونة لفترات طويلة، ما غيّر طريقة شراء احتياجات الأسرة وتدبيرها.
شراء الطعام يومًا بيوم
في حي الشاميات، عاشت أم سليمان تجربة مشابهة، إذ كانت تضطر إلى شراء احتياجاتها الغذائية بصورة يومية، خشية تلفها عند انقطاع الكهرباء.
وتقول لعنب بلدي إن زيادة ساعات الوصل سمحت لها بالاحتفاظ بكميات محدودة من الطعام داخل البراد، مثل كيلوغرام من الفروج أو بعض الوجبات اليومية، وهو أمر لم تكن قادرة عليه سابقًا.
واعتمدت أم سليمان على الطاقة الشمسية خلال سنوات الانقطاع، لكن تلف البطاريات وارتفاع كلفة استبدالها جعلا الاستمرار في استخدامها أكثر صعوبة.
كما لم تستطع الاعتماد على الأمبير بصورة دائمة، لأنها تعيش دون معيل ولا تستطيع تحمل كلفة الاشتراك الأسبوعية، ما جعل الإنارة وحفظ الطعام وتشغيل الأجهزة مرتبطًا بما توفره الألواح الشمسية خلال النهار.
وتقول إن وصول الكهرباء خلال معظم ساعات اليوم خفف هذا العبء، مع استثناء فترات الأعطال، ومنها الانقطاعات التي شهدتها المدينة خلال الأسبوع الماضي.
المحال تقلص ساعات تشغيل الأمبير
لم يقتصر أثر تحسن التغذية على المنازل، بل انعكس بصورة مباشرة على نفقات أصحاب المحال، خاصة الذين يحتاج عملهم إلى تشغيل البرادات أو المعدات الكهربائية لساعات طويلة.
يقول أحمد أبو اللبن، صاحب محل صناعي في حي النكاشات، إن الأمبير كان مصدر الكهرباء الأساسي في محله خلال ساعات الانقطاع، ما فرض عليه نفقات ثابتة لضمان استمرار العمل.
ويضيف أن زيادة ساعات التغذية النظامية سمحت له بتقليص ساعات تشغيل الأمبير، وأسهمت في خفض جزء من النفقات التي كان يتحملها بصورة شبه يومية.
ولم يستغن أبو أحمد عن الأمبير بعد، إذ ما يزال يحتفظ به لاستخدامه عند حدوث انقطاع مفاجئ أو انخفاض في الجهد، لكنه لم يعد يعتمد عليه بالمقدار نفسه الذي كان يحتاجه سابقًا.
ويقول سامر سويد، صاحب محل خضراوات في حي الشاميات، إنه كان يعتمد بصورة كاملة على الأمبير لتشغيل البرادات وحماية الخضراوات والمواد الموجودة في المحل من التلف.
وكانت فاتورة الاشتراك تصل، بحسب سويد، إلى نحو 180 ألف ليرة سورية أسبوعيًا، وهي كلفة تضاف إلى نفقات شراء البضاعة وتشغيل المحل.
ومع زيادة ساعات الوصل، بدأ يعتمد بصورة أكبر على الكهرباء النظامية، متوقعًا أن تنخفض قيمة فاتورة الأمبير خلال الفترة المقبلة، إذا استمرت التغذية ولم تتكرر الانقطاعات الطويلة.
تحسن بعد أعمال تأهيل
يأتي التحسن في حي الشاميات بعد أشهر من أعمال تأهيل الشبكة الكهربائية، شملت تركيب 41 عمود توتر منخفض، وتمديد خطوط جديدة، وتركيب مركز تحويل باستطاعة تبلغ نحو ألف كيلو فولت أمبير، ضمن مشروع نُفذ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وكان سكان الحي اشتكوا خلال مراحل تنفيذ المشروع من تأخر تشغيل المحولة، رغم انتهاء أجزاء من تمديدات الشبكة، قبل أن تدخل الأعمال مراحلها النهائية خلال حزيران الماضي.
ولا يقتصر تفاوت الكهرباء على الشاميات والنكاشات، إذ سجلت أحياء أخرى في داريا خلال الأشهر الماضية تحسنًا في ساعات الوصل بعد تركيب محولات جديدة، بينما بقيت مناطق خارج الخدمة أو تحت تغذية ضعيفة، ما يعكس اختلاف واقع الشبكة بين حي وآخر.
الأعطال تحد من استقرار التغذية
رغم زيادة ساعات الوصل، لا يرى السكان أن مشكلة الكهرباء انتهت، إذ ما تزال الأعطال وانخفاض الجهد يؤثران في استقرار الخدمة.
يقول أبو باسل، صاحب محل تجاري في حي الشاميات، إن الأسبوع الماضي شهد انخفاضًا متكررًا في الجهد وانقطاعات متلاحقة، نتيجة أعطال أصابت المحولات والشبكة.
وبحسب أبو باسل، لم تقتصر المشكلة على حي الشاميات، بل ظهرت في مناطق مختلفة من داريا، ما اضطره إلى العودة لاستخدام الأمبير والطاقة الشمسية لتشغيل البرادات والحفاظ على المواد الغذائية داخل المحل.
ويرجح أن يكون إصلاح المحولة الموجودة في شارع البلدية قد أسهم في تحسن التغذية لاحقًا، بعدما كانت الأعطال ترفع تكاليف تشغيل المحل وتفرض عليه التنقل بين أكثر من مصدر للطاقة.
وكانت محولة شارع البلدية احترقت، في 14 من تموز، بعد عودة التيار عقب انقطاع استمر يومين، نتيجة تشغيل عدد كبير من الأجهزة بالتزامن وزيادة الحمل عليها، قبل أن تصلحها ورشات الكهرباء وتعيدها إلى الخدمة.
وجاء الحريق بعد عطل في كبل توتر عند مدخل داريا من جهة أوتستراد درعا، تسبب بانقطاع الكهرباء عن معظم أحياء المدينة منذ مساء الأحد، قبل عودة التغذية تدريجيًا بعد إصلاح الكبل وتجريب الشبكة.
وسبق أن سجلت داريا أعطالًا في الكابلات والوصلات الأرضية، إلى جانب حالات ارتفاع في التوتر ألحقت أضرارًا بأجهزة منزلية وتجارية، ما جعل استقرار الجهد لا يقل أهمية لدى السكان عن عدد ساعات الوصل.
بدائل مكلفة لا غنى عنها
انتشر الاعتماد على الأمبيرات في داريا خلال سنوات انقطاع الكهرباء، كخيار لتأمين الإنارة وتشغيل بعض الأجهزة، إلا أن كلفتها المرتفعة جعلتها خارج قدرة أسر كثيرة، أو دفعتها إلى تقليل ساعات الاشتراك والاكتفاء بالاستخدام الضروري.
كما لجأت عائلات وأصحاب محال إلى الطاقة الشمسية، لكنها تحتاج إلى ألواح وبطاريات وتجهيزات لا يستطيع جميع السكان تحمل كلفتها، ولا توفر دائمًا القدرة اللازمة لتشغيل البرادات والمضخات والأجهزة بعد غروب الشمس.
وتشير شهادات سكان النكاشات والشاميات إلى أن تحسن التغذية لم يؤد بعد إلى الاستغناء الكامل عن الأمبير والطاقة الشمسية، لكنه حولهما من مصدرين أساسيين للكهرباء إلى بديلين يستخدمان غالبًا عند حدوث الأعطال أو انخفاض الجهد.